العودة   منتديات زهرة الشرق > >{}{ منتديات الزهرة الثقافية }{}< > أوراق ثقافية

أوراق ثقافية دروس اللغة العربية - نصوص أدبية - مقالات أدبية - حكم عالمية [أنا البحر في أحشاءه الدر كامن - فهل سألوا الغواص عن صدفاتي]

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 20-04-09, 05:14 PM   #1
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
مشاركة أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين





بسم الله الرحمن الرحيم

أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين

قراءة في رواية مثلث الرافدين للأديبة: أ/سها جلال جودت و قصيدة أنشودة المطر للشاعر بدر شاكر السياب
التقاطع و التوأمة
بقلم : هيثم محيسن اللحياني


في قراءة مقارنة بين نصي مثلث الرافدين وأنشودة المطر و بعد التمعن في تفاصيل الأحداث و قراءة ما بين السطور تجلى لي ذلك الاقتران الروحي في المعاناة التي عاشها كلا الكاتبين , عازف الأنشـودة المطرية ، تلك المعزوفة التي حُفرت في أعماقنا و لا يكاد أحد لا يعرفها , ولا أدري لماذا تجلى كلا النصين بوجودهما المغاير في زمنهما المتماثل في معاناتهما و اكتشفت السبب حين عدت للقصيدة و قرأتها من جديد و يا لله !!! , لم يكن ما قرأته بين طيات مثلث الرافدين سوى توأم تلك السيمفونية الخالدة و التي يعتبرها البعض نبوءة العراق في كل زمان , و إذا فتقنا خوابي الحزن عند الكاتبة سها جلال جودت فإننا نعثر على جرارٍ من الحزن عند السياب تتوافق و تتقاطع في نفس نقطة الاهتمام حيث يتوازى فيها الهم الإنساني مع الهم الوطني , و انظروا معي و اسمعوا للعزف المنفرد للسياب هنا و كيف يتغزل بالحبيبة و يعطي صورة للعاشق العربي المستهام :

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
و ترقص الأضواء كالأقمار في نهر
يرجّه المجذاف وهناَ ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم
و تغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحر سرّح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه و ارتعاشة الخريف
و الموت , و الميلاد , و الظلام , و الضياء

انعكاس صوري و تضاد لفظي يحمل مساحة واسعة ترتسم بين الحروف ( الموت - الميلاد) – (الظلام - الضياء )
و استطاعت الكاتبة بتصويرها الفني أن تتقاطع مع السياب بالدلالات و التناقضات التي يعيشها الإنسان العربي على وجه العموم و الإنسان العراقي على وجه الخصوص ، ومفردات مثل ( ينأى – يرج – ترقص – تورق – تنبض ) أفعال مضارعة مليئة بالحيوية و الحركة و يبقى المطر هو عنصر محرك و ورمز خصب دافع للتجدد و العطاء ، فكان الاستهلال / عيناك غابتا نخيل ساعة السحر / وهنا نجد إبراز صفة الجمال للمحبوبة التي ربما تكون الأرض بكينونتها بل هي العراق بالريح و السماء الممطرة و الكروم المورقة وهذا تلاحم بين المرأة و الوطن

و بنفس الإيقاع في مثلث الرافدين عزفت لنا سها أنشودة العشق الخالد
في قصيدة موجهة لزينب عندما قالت في فصل الاعتراف في قصيدة على لسان العاشق موجهة للحبيبة :
سأغني باسمك كل ليلة
لأعبر حدود الضوء
و الزمان
سنرقص (( الفالس ))
فوق جمر التوحد
لينسكب الندى من عشق عينيك
و يأخذ القمر لجينه من وهجك
فتخجل الشمس
دعيني أغور في أعماق هذا الصارخ
الحزين
لأكتشف السر الغامض
في صوتك الأنثوي
يرعشني هذا البعيد القريب
يتشظى في جنون الحرمان
هل تقبلينني قربان حبك ؟
إذا ما تحسسنا الألم و حب الوطن نجد القاسم المشترك يتقاطع في نقطة الاهتمام لينسكب العشق فوق حدود الضوء للبعيد القريب لغة تختزل المسافة عربون وفاء ، يتشظى فينا بوصفه الأم و الحبيبة و العاشق الذي نحلق معه بأجسادنا إلى هامات النخيل .
كلا العاشقان يتغزلان في عيون الحبيبة لكن الفرق عند السياب هو أنه استطاع كشف أسرار عيون حبيبته بينما عاشق زينب في المثلث كان يبحث عن الأسرار و يتساءل عنها و اجتمعا على القمر و النجوم و المساء و الحزن المتمثل في حالة الموت عند كلا العاشقين :
((و الموت , و الميلاد , و الظلام , و الضياء )) , (( هل تقبلينني قربان حبك ؟ ))

و تلك الرعشة التي تسري في شرايينهم :
((دفء الشتاء فيه و ارتعاشة الخريف )) , (( يرعشني هذا البعيد القريب ))

و كذلك الرقص بمتعة تعبر عن سعادة العاشق و شاعريته التي تواكب عشقه مع هطول المطر :
(( و ترقص الأضواء كالأقمار في نهر )) , (( سنرقص الفالس )) و في موضع مماثل لسها : (( تعالي , نرقص عراة تحت المطر ))

لكنّ شيئا ما كان يؤرق ذلك العشق في و مرة أخرى تتطابق المساحات و تتقاطع الألوان لتمتزج و تنصهر في قالب يعبر عن ذلك الألم الطاغي المتمكن في جسد الطهر يقول السياب :

تثاءب المساء و الغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه - التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لج في السؤال
قالوا له : " بعد غد تعود"
لابد أن تعود
و إن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها و تشرب المطر
كأن صياداً حزيناً يجمع الشباك و يلعن المياه و القدر

و تقول سها في مثلث الرافدين و بالتحديد ص ( 65 ) :
(( علموني البكاء على قارعة التشرد , لم أعرف كيف أبتسم ؟! وجدت نفسي عندما شب عودي يتيما , محروما من كل شيء ))

أجل هو البكاء و الدموع و اليتم و الحرمان التي طالما ذبحت العشق على قارعة الألم و العذاب , و عندما دققت في كلا الحالتين قرأت البكاء و الدموع تسبق اليتم و الحرمان المشترك في أنشودة المطر و مثلث الرافدين , لكن لماذا ؟! تساءلت كثيرا , كيف يسبق البكاء حالة اليتم التي لو حللناها منطقيا لكان أجدر به أن يأتي بعد اليتم لا قبله ؟!!! ما وضعني أمام تفسير وحيد هو أن تلك الأم لم تكن سوى (( العراق )) التي طالما بكاها أولادها قبل إدراكهم ليتمهم و حرمانهم من أحضانها .
و تستمر سيمفونية التوأمة , يقول السياب :

أتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟
و كيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدم المراق، كالجياع
كالحب كالأطفال كالموتى - هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروق
و عبر أمواج الخليج تمسح البروق
سواحل العراق بالنجوم و المحار
كأنها تهم بالشروق
فيسحب الليل عليها من دم دثار

يعود المطر كرمزٍ صارخ ٍ لحزنٍ أبدي لجراحٍ أبت أن تندمل في جسد العراق المثخن بآلامه و الغارق في دمائه و ضحايا حقد المتكالبين عليه , كيف يصبح رمز الأمل و العطاء و الحياة و الحب و الأطفال ببراءتهم رمزا للموت و الدماء و بشاعة الدمار بجبروت حقده و طغيانه على الأبرياء تقول سها في مثلث الرافدين :

(( ينقر على شباك نافذتي وجعك , كنقرات هذا المطر الخائف من تلطخه بدم الأبرياء )) , (( من يملك الشجاعة ليتحدث عن الجثث و الدماء ))

أليس غريبا أن يكون المطر رمزا لوطنٍ مثقلٍ بالوجع و الدماء و الدمار عند كلا الكاتبين ؟! , ألا تتفقون معي أن ذلك التوافق يضعنا في دائرة من الدهشة المستمرة ؟! , كيف اتفقا في رسم نفس اللوحة بأبعادها المتمايزة و ألوانها الصارخة القانية !!؟

و تستمر أنشودة المطر :

أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
و يخزن البروق في السهول و الجبال
حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال
لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من اثر
أكاد اسمع النخيل يشرب المطر
و اسمع القرى تئن ، و المهاجرين
يصارعون بالمجاذيف و بالقلوع
عواصف الخليج و الرعود ، منشدين
مطر.. مطر... مطر
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان و الجراد
و تطحن الشوان و الحجر
رحى تدور في الحقول … حولها بشر
مطر... مطر ... مطر

لقد ارتكز السياب في شعره على الأسطورة التي شحنت ذاكرته وهنا يرسم لنا صورة التفاؤل بحركة ديناميكية تسبر أغوار النفس لتشحذ هممها فمن المطر ينبثق البرق و الرعد ولهذا دلالات تصويرية في بعدها الرمزي و كقوله أيضاً ( أكاد أسمع النخيل يشرب المطر ) فهذا دلالة على العطاء و الاستمرار و التجدد و صورة النخل الذي يخزن للجياع ماء المطر 00 إسقاطات رمزية و إيحاءات ببعد تصويري و مونولوج يحاكي الهم الإنساني ليتبعثر الألم في كل قطرة من قطرات المطر و يستطرد الناي الحزين في عزفه على أوتارٍ ملؤها آهاتٌ ما انفكت تعبث بالأرواح و الأماكن مصورا لنا ذلك الصراع الموجع ((و اسمع القرى تئن ، و المهاجرين , يصارعون بالمجاذيف و بالقلوع )) و يعلو صوت الجوع ليكشف عن الحقيقة المرة لوطنٍ أشبع العالم و نسي شعبه ((وفي العراق جوع , وينثر الغلال فيه موسم الحصاد , لتشبع الغربان و الجراد , و تطحن الشوان و الحجر , رحى تدور في الحقول … حولها بشر )) (( ما مرّ عامٌ و العراقُ ليس فيه جوع ))

و هاهي الشهبائية تعزف على ذات الناي نفس اللحن المؤلم في أكثر من ضفة في مثلثها , و أتساءل هل ترك السياب نايه إرثا مستحقا لها :
(( بلا شعورٍ أدندن لبغداد القهر و الخوف و الجوع و الألم ))

(( لا مكان للفقراء في هذه الأرض المغسولة بالدماء ))

(( نبكي حاجتنا , قهرنا , خوفنا , ألمنا ، تشردنا ، تشرذمنا ، ضياعنا ، شماتة العالم فينا ، حملنا للفوانيس ، شراؤنا للبطاريات )) (( و رغم جراحنا الموغلة حتى النخاع في تأمين لقمة العيش ، العيش بستر ))

إذا .. ذلك الجوع ليس جوعٌ لطعامٍ فقط بل حمل رمز الجوع عند الكاتبين بعدا أبعد و أكثر من جوع البطون ، هو جوعٌ للوطن و الأمن و الضياء و الراحة النفسية .

و في نفس السياق يقول السياب :

(( و في العراق ألف ألف أفعى تشرب الرحيق ))
ذلك الجوع لم يكن سببه فقر العراق الوطن و الأم بل هناك من الطغاة و المجرمين و اللاهثين خلف الكراسي من سلبوا العراق رفاهيته المستحقة تقول سها في مثلث الرافدين :

(( و أمريكا بحجّة تسوية الوضع في العراق يغتالون بياض الماء , سواد الأرض ، و من الإفلاس الناس يتخبطون )) (( بلد النفط لا يرى أهله النفط ....! ))
(( من جعلنا هكذا ؟ هل هو صدام حسين ؟ أم هي السلطات الدينية المتصادمة على كرسي السلطة ؟ هل هم الوهابيون ؟ هل هو صراع السنة و الشيعة ؟ على شيء مضى عليه مئات السنين ؟ هل هم قومك (( الأكراد )) ... دعني أردد : ضاعت الطاسة ... ))

أجل ضاعت الطاسة كما قالت الأديبة سها جلال جودت ، و هؤلاء هم من رمز لهم السياب بالأفاعي التي شربت رحيق العراق و نفثت سمها فيه ليتجرعه الأبرياء من بعدها و يموتون بحسرتهم و جراحهم و آلامهم .

و يستمر و يطول الحديث و عزف النايات الحزينة و لكنني أجنح للختام و لكن قبل ذلك تتهادى أمامي البداية عندما سبر السياب أغوار عيني حبيبته و أبحر فيها بينما عجز عن ذلك عاشق زينب ، و هو الذي دعاها في أحد الحوارات التي دارت بينهما بـ(( سيدة المطر )) , شيء غريب حقا فيما السياب لم يحتج لنعت حبيبته بذلك اللقب و الوقوع في الحيرة , ترى لماذا ؟؟!! لأن عاشق زينب البغدادية لم يكن سوى بائع كلام و عاشق جسد لا يعرف قيمة الروح و لا معنى العشق الحقيقي الذي حملته زينب بين جنباتها و هو ذات العشق الطاهر الذي سمح للسياب بكشف أسرار عيون حبيبته دون عناء أو حيرة كما حدث مع عاشق زينب .

و أخيرا و ليس آخرا تقول الأديبة سها في محاولة ذكية لاختبار ذكاء قرائها في وصفها للمثلث :
(( السلطة , المال , النفوذ , هي من تحكم العراق ، مثلث بغدادي أصبح يشيع الخطر من أطرافه الثلاثة ))

مهارة وبراعة من الروائية في محاولة لدفع القارئ للتصديق أن ذلك هو مثلث الرافدين لكنها أضلع وهمية أو أستطيع أن أقول أنها نقاط تتقاطع مع بعضها في مثلث الرافدين الحقيقي لدى الأديبة سها جلال جودت و الشاعر بدر شاكر السياب (( الحب , الوطن ، الخيانة )) .


هيثم بن محيسن اللحياني


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 23-04-09, 10:26 PM   #2
 
الصورة الرمزية هيام1

هيام1
مشرفة أقسام المرأة

رقم العضوية : 7290
تاريخ التسجيل : Apr 2007
عدد المشاركات : 14,789
عدد النقاط : 187

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ هيام1
رد: أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين


[align=center]
سأغني باسمك كل ليلة
لأعبر حدود الضوء
و الزمان
سنرقص (( الفالس ))
فوق جمر التوحد
لينسكب الندى من عشق عينيك
و يأخذ القمر لجينه من وهجك
فتخجل الشمس
دعيني أغور في أعماق هذا الصارخ
الحزين
لأكتشف السر الغامض
في صوتك الأنثوي
يرعشني هذا البعيد القريب
يتشظى في جنون الحرمان
هل تقبلينني قربان حبك ؟


وصف ينطق .. لتكتمل به حلقات التأمل بين يدي النص
سلم اختيارك الصائب
وقفت متاملة راق لي كثيراً
.
[/align]


توقيع : هيام1
.
.
"اللهم وطني ؛ قد مسه الضر ، وأنت أرحم الراحمين "

هيام1 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-04-09, 02:14 PM   #3
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين


اهلا بكم في مثلث الرافدين تحت أنشودة المطر

منذ البديات الانسانيةالاولى والمرأة هي الحب المكتشف من أعماق عاشق يفرسر النساء والحب تحت القطراة
وكأنه يحقق نبوءة في عشق وليثب الوجود ,ولحد الان لم يكفي الشاعر في ذلك لأن النساء العربيات عندنا حب نادر الوجود
لانها تربت على حياء وعلى حياءات تحفظ الحب ليكتشف في عيون ,وحس , وجسد كل ساعة فيها لديه عطاء خاص , وتميزت في أنها
موجودة على كل الاسطح والاعماق يأخذها ذلك العاشق بولادات من أدب يقارن به بين ذات وبيت طبية نادرا مانشعر بها ولكننا نقترب بها عندما تمر في عيون((((( نساء وحب ومطر )))) فيتكون مثلث عشق يندر مانحس به فقد أعطى الشاعر أسطورة حقيقة رسمها في مخيله
وقدما حقيقة ملموسه
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أوشرفتان راح ........ هرب ابتعد القمر منها وولد عينك لها المكان

كان هو ردي وتعليقي عن الموضوع في المنتدى الادبي الجود الذي يهتم والخاص بالشعراء


-*-*--*

شكرا لحس النساء الذي يولد لنا بحرا ثامنا غير محسوب وقارة يسكنها الجميع دون شكر هي ارض وبحر


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-03-12, 03:28 AM   #4
 
الصورة الرمزية رماح

رماح
العضوية الفضية

رقم العضوية : 7426
تاريخ التسجيل : May 2007
عدد المشاركات : 841
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ رماح
مشاركة رد: أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين





بسم الله الرحمن الرحيم

أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين

قراءة في رواية مثلث الرافدين للأديبة: أ/سها جلال جودت و قصيدة أنشودة المطر للشاعر بدر شاكر السياب
التقاطع و التوأمة
بقلم : هيثم محيسن اللحياني


في قراءة مقارنة بين نصي مثلث الرافدين وأنشودة المطر و بعد التمعن في تفاصيل الأحداث و قراءة ما بين السطور تجلى لي ذلك الاقتران الروحي في المعاناة التي عاشها كلا الكاتبين , عازف الأنشـودة المطرية ، تلك المعزوفة التي حُفرت في أعماقنا و لا يكاد أحد لا يعرفها , ولا أدري لماذا تجلى كلا النصين بوجودهما المغاير في زمنهما المتماثل في معاناتهما و اكتشفت السبب حين عدت للقصيدة و قرأتها من جديد و يا لله !!! , لم يكن ما قرأته بين طيات مثلث الرافدين سوى توأم تلك السيمفونية الخالدة و التي يعتبرها البعض نبوءة العراق في كل زمان , و إذا فتقنا خوابي الحزن عند الكاتبة سها جلال جودت فإننا نعثر على جرارٍ من الحزن عند السياب تتوافق و تتقاطع في نفس نقطة الاهتمام حيث يتوازى فيها الهم الإنساني مع الهم الوطني , و انظروا معي و اسمعوا للعزف المنفرد للسياب هنا و كيف يتغزل بالحبيبة و يعطي صورة للعاشق العربي المستهام :

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
و ترقص الأضواء كالأقمار في نهر
يرجّه المجذاف وهناَ ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم
و تغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف
كالبحر سرّح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه و ارتعاشة الخريف
و الموت , و الميلاد , و الظلام , و الضياء

انعكاس صوري و تضاد لفظي يحمل مساحة واسعة ترتسم بين الحروف ( الموت - الميلاد) – (الظلام - الضياء )
و استطاعت الكاتبة بتصويرها الفني أن تتقاطع مع السياب بالدلالات و التناقضات التي يعيشها الإنسان العربي على وجه العموم و الإنسان العراقي على وجه الخصوص ، ومفردات مثل ( ينأى – يرج – ترقص – تورق – تنبض ) أفعال مضارعة مليئة بالحيوية و الحركة و يبقى المطر هو عنصر محرك و ورمز خصب دافع للتجدد و العطاء ، فكان الاستهلال / عيناك غابتا نخيل ساعة السحر / وهنا نجد إبراز صفة الجمال للمحبوبة التي ربما تكون الأرض بكينونتها بل هي العراق بالريح و السماء الممطرة و الكروم المورقة وهذا تلاحم بين المرأة و الوطن

و بنفس الإيقاع في مثلث الرافدين عزفت لنا سها أنشودة العشق الخالد
في قصيدة موجهة لزينب عندما قالت في فصل الاعتراف في قصيدة على لسان العاشق موجهة للحبيبة :
سأغني باسمك كل ليلة
لأعبر حدود الضوء
و الزمان
سنرقص (( الفالس ))
فوق جمر التوحد
لينسكب الندى من عشق عينيك
و يأخذ القمر لجينه من وهجك
فتخجل الشمس
دعيني أغور في أعماق هذا الصارخ
الحزين
لأكتشف السر الغامض
في صوتك الأنثوي
يرعشني هذا البعيد القريب
يتشظى في جنون الحرمان
هل تقبلينني قربان حبك ؟
إذا ما تحسسنا الألم و حب الوطن نجد القاسم المشترك يتقاطع في نقطة الاهتمام لينسكب العشق فوق حدود الضوء للبعيد القريب لغة تختزل المسافة عربون وفاء ، يتشظى فينا بوصفه الأم و الحبيبة و العاشق الذي نحلق معه بأجسادنا إلى هامات النخيل .
كلا العاشقان يتغزلان في عيون الحبيبة لكن الفرق عند السياب هو أنه استطاع كشف أسرار عيون حبيبته بينما عاشق زينب في المثلث كان يبحث عن الأسرار و يتساءل عنها و اجتمعا على القمر و النجوم و المساء و الحزن المتمثل في حالة الموت عند كلا العاشقين :
((و الموت , و الميلاد , و الظلام , و الضياء )) , (( هل تقبلينني قربان حبك ؟ ))

و تلك الرعشة التي تسري في شرايينهم :
((دفء الشتاء فيه و ارتعاشة الخريف )) , (( يرعشني هذا البعيد القريب ))

و كذلك الرقص بمتعة تعبر عن سعادة العاشق و شاعريته التي تواكب عشقه مع هطول المطر :
(( و ترقص الأضواء كالأقمار في نهر )) , (( سنرقص الفالس )) و في موضع مماثل لسها : (( تعالي , نرقص عراة تحت المطر ))

لكنّ شيئا ما كان يؤرق ذلك العشق في و مرة أخرى تتطابق المساحات و تتقاطع الألوان لتمتزج و تنصهر في قالب يعبر عن ذلك الألم الطاغي المتمكن في جسد الطهر يقول السياب :

تثاءب المساء و الغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام
بأن أمه - التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لج في السؤال
قالوا له : " بعد غد تعود"
لابد أن تعود
و إن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها و تشرب المطر
كأن صياداً حزيناً يجمع الشباك و يلعن المياه و القدر

و تقول سها في مثلث الرافدين و بالتحديد ص ( 65 ) :
(( علموني البكاء على قارعة التشرد , لم أعرف كيف أبتسم ؟! وجدت نفسي عندما شب عودي يتيما , محروما من كل شيء ))

أجل هو البكاء و الدموع و اليتم و الحرمان التي طالما ذبحت العشق على قارعة الألم و العذاب , و عندما دققت في كلا الحالتين قرأت البكاء و الدموع تسبق اليتم و الحرمان المشترك في أنشودة المطر و مثلث الرافدين , لكن لماذا ؟! تساءلت كثيرا , كيف يسبق البكاء حالة اليتم التي لو حللناها منطقيا لكان أجدر به أن يأتي بعد اليتم لا قبله ؟!!! ما وضعني أمام تفسير وحيد هو أن تلك الأم لم تكن سوى (( العراق )) التي طالما بكاها أولادها قبل إدراكهم ليتمهم و حرمانهم من أحضانها .
و تستمر سيمفونية التوأمة , يقول السياب :

أتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟
و كيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدم المراق، كالجياع
كالحب كالأطفال كالموتى - هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروق
و عبر أمواج الخليج تمسح البروق
سواحل العراق بالنجوم و المحار
كأنها تهم بالشروق
فيسحب الليل عليها من دم دثار

يعود المطر كرمزٍ صارخ ٍ لحزنٍ أبدي لجراحٍ أبت أن تندمل في جسد العراق المثخن بآلامه و الغارق في دمائه و ضحايا حقد المتكالبين عليه , كيف يصبح رمز الأمل و العطاء و الحياة و الحب و الأطفال ببراءتهم رمزا للموت و الدماء و بشاعة الدمار بجبروت حقده و طغيانه على الأبرياء تقول سها في مثلث الرافدين :

(( ينقر على شباك نافذتي وجعك , كنقرات هذا المطر الخائف من تلطخه بدم الأبرياء )) , (( من يملك الشجاعة ليتحدث عن الجثث و الدماء ))

أليس غريبا أن يكون المطر رمزا لوطنٍ مثقلٍ بالوجع و الدماء و الدمار عند كلا الكاتبين ؟! , ألا تتفقون معي أن ذلك التوافق يضعنا في دائرة من الدهشة المستمرة ؟! , كيف اتفقا في رسم نفس اللوحة بأبعادها المتمايزة و ألوانها الصارخة القانية !!؟

و تستمر أنشودة المطر :

أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
و يخزن البروق في السهول و الجبال
حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال
لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من اثر
أكاد اسمع النخيل يشرب المطر
و اسمع القرى تئن ، و المهاجرين
يصارعون بالمجاذيف و بالقلوع
عواصف الخليج و الرعود ، منشدين
مطر.. مطر... مطر
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان و الجراد
و تطحن الشوان و الحجر
رحى تدور في الحقول … حولها بشر
مطر... مطر ... مطر

لقد ارتكز السياب في شعره على الأسطورة التي شحنت ذاكرته وهنا يرسم لنا صورة التفاؤل بحركة ديناميكية تسبر أغوار النفس لتشحذ هممها فمن المطر ينبثق البرق و الرعد ولهذا دلالات تصويرية في بعدها الرمزي و كقوله أيضاً ( أكاد أسمع النخيل يشرب المطر ) فهذا دلالة على العطاء و الاستمرار و التجدد و صورة النخل الذي يخزن للجياع ماء المطر 00 إسقاطات رمزية و إيحاءات ببعد تصويري و مونولوج يحاكي الهم الإنساني ليتبعثر الألم في كل قطرة من قطرات المطر و يستطرد الناي الحزين في عزفه على أوتارٍ ملؤها آهاتٌ ما انفكت تعبث بالأرواح و الأماكن مصورا لنا ذلك الصراع الموجع ((و اسمع القرى تئن ، و المهاجرين , يصارعون بالمجاذيف و بالقلوع )) و يعلو صوت الجوع ليكشف عن الحقيقة المرة لوطنٍ أشبع العالم و نسي شعبه ((وفي العراق جوع , وينثر الغلال فيه موسم الحصاد , لتشبع الغربان و الجراد , و تطحن الشوان و الحجر , رحى تدور في الحقول … حولها بشر )) (( ما مرّ عامٌ و العراقُ ليس فيه جوع ))

و هاهي الشهبائية تعزف على ذات الناي نفس اللحن المؤلم في أكثر من ضفة في مثلثها , و أتساءل هل ترك السياب نايه إرثا مستحقا لها :
(( بلا شعورٍ أدندن لبغداد القهر و الخوف و الجوع و الألم ))

(( لا مكان للفقراء في هذه الأرض المغسولة بالدماء ))

(( نبكي حاجتنا , قهرنا , خوفنا , ألمنا ، تشردنا ، تشرذمنا ، ضياعنا ، شماتة العالم فينا ، حملنا للفوانيس ، شراؤنا للبطاريات )) (( و رغم جراحنا الموغلة حتى النخاع في تأمين لقمة العيش ، العيش بستر ))

إذا .. ذلك الجوع ليس جوعٌ لطعامٍ فقط بل حمل رمز الجوع عند الكاتبين بعدا أبعد و أكثر من جوع البطون ، هو جوعٌ للوطن و الأمن و الضياء و الراحة النفسية .

و في نفس السياق يقول السياب :

(( و في العراق ألف ألف أفعى تشرب الرحيق ))
ذلك الجوع لم يكن سببه فقر العراق الوطن و الأم بل هناك من الطغاة و المجرمين و اللاهثين خلف الكراسي من سلبوا العراق رفاهيته المستحقة تقول سها في مثلث الرافدين :

(( و أمريكا بحجّة تسوية الوضع في العراق يغتالون بياض الماء , سواد الأرض ، و من الإفلاس الناس يتخبطون )) (( بلد النفط لا يرى أهله النفط ....! ))
(( من جعلنا هكذا ؟ هل هو صدام حسين ؟ أم هي السلطات الدينية المتصادمة على كرسي السلطة ؟ هل هم الوهابيون ؟ هل هو صراع السنة و الشيعة ؟ على شيء مضى عليه مئات السنين ؟ هل هم قومك (( الأكراد )) ... دعني أردد : ضاعت الطاسة ... ))

أجل ضاعت الطاسة كما قالت الأديبة سها جلال جودت ، و هؤلاء هم من رمز لهم السياب بالأفاعي التي شربت رحيق العراق و نفثت سمها فيه ليتجرعه الأبرياء من بعدها و يموتون بحسرتهم و جراحهم و آلامهم .

و يستمر و يطول الحديث و عزف النايات الحزينة و لكنني أجنح للختام و لكن قبل ذلك تتهادى أمامي البداية عندما سبر السياب أغوار عيني حبيبته و أبحر فيها بينما عجز عن ذلك عاشق زينب ، و هو الذي دعاها في أحد الحوارات التي دارت بينهما بـ(( سيدة المطر )) , شيء غريب حقا فيما السياب لم يحتج لنعت حبيبته بذلك اللقب و الوقوع في الحيرة , ترى لماذا ؟؟!! لأن عاشق زينب البغدادية لم يكن سوى بائع كلام و عاشق جسد لا يعرف قيمة الروح و لا معنى العشق الحقيقي الذي حملته زينب بين جنباتها و هو ذات العشق الطاهر الذي سمح للسياب بكشف أسرار عيون حبيبته دون عناء أو حيرة كما حدث مع عاشق زينب .

و أخيرا و ليس آخرا تقول الأديبة سها في محاولة ذكية لاختبار ذكاء قرائها في وصفها للمثلث :
(( السلطة , المال , النفوذ , هي من تحكم العراق ، مثلث بغدادي أصبح يشيع الخطر من أطرافه الثلاثة ))

مهارة وبراعة من الروائية في محاولة لدفع القارئ للتصديق أن ذلك هو مثلث الرافدين لكنها أضلع وهمية أو أستطيع أن أقول أنها نقاط تتقاطع مع بعضها في مثلث الرافدين الحقيقي لدى الأديبة سها جلال جودت و الشاعر بدر شاكر السياب (( الحب , الوطن ، الخيانة )) .
هيثم بن محيسن اللحياني


رماح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-09-15, 10:49 PM   #5
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين


سأغني باسمك كل ليلة
لأعبر حدود الضوء
و الزمان
سنرقص (( الفالس ))
فوق جمر التوحد
لينسكب الندى من عشق عينيك
و يأخذ القمر لجينه من وهجك
فتخجل الشمس
دعيني أغور في أعماق هذا الصارخ
الحزين
لأكتشف السر الغامض
في صوتك الأنثوي
يرعشني هذا البعيد القريب
يتشظى في جنون الحرمان
هل تقبلينني قربان حبك ؟


توقيع : حسين الحمداني

حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-12-15, 02:46 AM   #6
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: أنشودة المطر و نبوءة مثلث الرافدين


سأغني باسمك كل ليلة
لأعبر حدود الضوء
و الزمان
سنرقص (( الفالس ))
فوق جمر التوحد
لينسكب الندى من عشق عينيك
و يأخذ القمر لجينه من وهجك
فتخجل الشمس
دعيني أغور في أعماق هذا الصارخ
الحزين
لأكتشف السر الغامض
في صوتك الأنثوي
يرعشني هذا البعيد القريب
يتشظى في جنون الحرمان
هل تقبلينني قربان حبك ؟


توقيع : حسين الحمداني

حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أثآث , أنشودة , المطر , الرافدين , نبوءة

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حقائق عن مثلث برمودا فتوون واحة الزهـرة 8 16-08-03 04:00 PM


الساعة الآن 02:19 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions Inc.