العودة   منتديات زهرة الشرق > >{}{ منتديات الزهرة العامة }{}< > نفحات إيمانية

نفحات إيمانية أذكار المسلم - السيرة النبوية - علوم الأحاديث - فتاوي إسلامية - أدعية وأذكار الصباح والمساء - توعية وإرشادات - علـوم قرآنية - تفسير آيات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 30-07-02, 04:47 AM   #1

abdulkader
عضوية متميزة

رقم العضوية : 29
تاريخ التسجيل : Jun 2002
عدد المشاركات : 216
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ abdulkader
السيدة خديجة بنت خويلد


خَديجَة بِنتُ خُوَيلِد

رَضِيَ الله عنها



نسبها ونشأتها:

هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى قصي بن كلاب القرشية الأسدية ، ولدت سنة 68 قبل الهجرة (556 م). تربت وترعرعت في بيت مجد ورياسة، نشأت على الصفات والأخلاق الحميدة، عرفت بالعفة والعقل والحزم حتى دعاها قومها في الجاهلية بالطاهرة ، وكانت السيدة خديجة تاجرة، ذات مال، تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة، وقد بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان صادق أمين، كريم الأخلاق، فبعثت إليه وطلبت منه أن يخرج في تجارة لها إلى الشام مع غلام لها يقال له ميسرة. وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربحت تجارتها ضعف ما كانت تربح. أخبر الغلام ميسرة السيدة خديجة عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدست له من عرض عليه الزواج منها، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأرسلت السيدة خديجة إلى عمها عمرو بن أسعد بن عبد العزى، فحضر وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم،وكان لعم الرسول صلى الله عليه وسلم خطبه رائعه فى هذا الموقف حيث قال "أما بعد : فان محمدا ممن لا يوازن به فتى من قريش ,الا رجح به شرفا و نبلا و فضلا و عقلا , وان كان فى المال قل فانما المال ظل زائل و عارية مسترجعة , و له فى خديجة بنت خويلد رغبة , و لها فيه مثل ذلك"

و من هنا نجد انه بذلك قد وضع لكل شاب و فتاه القواعد و الاسس التى يستطيع من خلالها اختيار الطرف الاخر كان ذلك منذ اكثر من 1400 عام .

وكان للسيدة خديجة وقت ذاك من العمر أربعين سنة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس وعشرون سنة.

السيدة خديجة - رضي الله عنها - كانت أول امرأة تزوجها الرسول ، صلى الله عليه وسلم، وكانت أحب زوجاته إليه، ومن كرامتها أنها لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت. أنجبت له ولدين وأربع بنات وهم: القاسم (وكان يكنى به)، وعبد الله ، ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة.

إسلامها:

عندما بعث الله – سبحانه وتعالى – النبي صلى الله عليه وسلم كانت السيدة خديجة – رضي الله عنها- هي أول من آمن بالله ورسوله، وأول من أسلم من النساء والرجال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة يصليان سراً إلى أن ظهرت الدعوة. تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من التعذيب والتكذيب من قومه، فكانت السيدة خديجة رضى الله عنها تخفف عنه وتهون عليه ما يلقى من أكاذيب المشركين من قريش. وعندما انزل الله – سبحانه وتعالى – الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم -قال له ( اقرأ بسم ربك الذي خلق ) فرجع مسرعاً إلى السيدة خديجة وقد كان ترجف بوادره، فقال : " زملوني " ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال : " مالي يا خديجة؟ " وأخبرها الخبر وقال: " قد خشيت على نفسي " ، فقالت له : كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق.

و هكذا يجب ان تكون الزوجه الحقيقيه فهى التى تآزر زوجها وقت محنته و تعينه حقا على نوائب الدهر وتهون عليه كل مصيبه و تخفف عنه الالام .

وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وهو تنصر في الجاهلية، وكان يفك الخط العربي، وكتب بالعربية بالإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا قد عمى، فقالت : امع من ابن أخيك ما يقول، فقال: يا ابن أخي ما ترى؟، فأخبره، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى .

منزلتها عند رسول الله :

كانت السيدة خديجة امرأة عاقلة، جليلة، دينة، مصونة، كريمة، من أهل الجنة، فقد أمر الله تعالى رسوله أن يبشرها في الجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

فقد جندت رضى الله عنها كل مالها فى سبيل الله , فأنفقت من غير حساب ,و خصوصا سنوات القطيعه, و الحصار فى شعب أبى طالب.

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفضلها على سائر زوجاته، وكان يكثر من ذكرها بحيث أن عائشة كانت تقول : ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول إنها كانت وكان لي منها ولد.

وقالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكر خديجة يوما من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت هل كانت إلا عجوزاً فأبدلك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني النساء، قالت عائشة: فقلت في نفسي لا أذكرها بسيئة أبدا ً.

وفاتها:

توفيت السيدة خديجة ساعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيمن في بث دعوة الإسلام قبل هجرته إلى المدينة المنورة بثلاثة سنوات، ولها من العمر خمس وستون سنة، وأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في حفرتها وأدخلها القبر بيده، وكانت وفاتها مصيبة كبيرة بالنسبة للرسول - صلى الله عليه وسلم- تحملها بصبر وجأش راضياً بحكم الله – سبحانه وتعالى .

خَديجَة بِنتُ خُوَيلِد



منقول


توقيع : abdulkader


احلى الكلام

000لان الحب هو الحب000

ولان الحياة هي الوطن000

ولان الوطن هو الوطن000

فانني استعذب الحب موتا والموت حبا في عيون بلادي000

abdulkader غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-07-02, 07:24 AM   #2

المنادي
سفير المحبة والوفاء

رقم العضوية : 103
تاريخ التسجيل : Jun 2002
عدد المشاركات : 1,024
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ المنادي

بسم الله الرحمن الرحيم

اخي في الله تعالى ... عبدالقادر

لاسلام عليك ورحمة الله وبركاته

بوركت يارعاك الله ووفقك الله للبروالتقوى وامد في عمرك على طاعته

اللهم امين

اخوك في الله تعالى

المنادي

خالد محمد


المنادي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 31-07-02, 02:21 AM   #3
 
الصورة الرمزية سحر العيون

سحر العيون
مستشارة زهرة الشرق

رقم العضوية : 24
تاريخ التسجيل : Jun 2002
عدد المشاركات : 5,513
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ سحر العيون

جزاك الله خيرا أخي الفاضل على هذا النقل الرائع

وتقديري...


سحر العيون غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-08-02, 02:16 AM   #4
 
الصورة الرمزية lonely

lonely
زهرة الشرق

رقم العضوية : 11
تاريخ التسجيل : Jun 2002
عدد المشاركات : 4,551
عدد النقاط : 508

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ lonely

.



. . . ماشاء الله عليك أخي عبدالقادر

جزاك الله خير الجزاء على هذا الجهد الرائع من انسان أروع

أجمل تحية لك من القلب . .






مع محبتيlonely


توقيع : lonely

lonely غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-08-02, 01:24 AM   #5

abdulkader
عضوية متميزة

رقم العضوية : 29
تاريخ التسجيل : Jun 2002
عدد المشاركات : 216
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ abdulkader

الاخوة جميعا بارك الله فيكم ونفعنا وايكم بهذا المنتدى الطيب


عبد القادر


توقيع : abdulkader


احلى الكلام

000لان الحب هو الحب000

ولان الحياة هي الوطن000

ولان الوطن هو الوطن000

فانني استعذب الحب موتا والموت حبا في عيون بلادي000

abdulkader غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-01-09, 02:30 PM   #6
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-01-09, 05:26 PM   #7
 
الصورة الرمزية نجمة الشرق

نجمة الشرق
العضوية الماسية

رقم العضوية : 9474
تاريخ التسجيل : Nov 2007
عدد المشاركات : 1,315
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ نجمة الشرق
رد: السيدة خديجة بنت خويلد


بارك الله فيك وجعله في منوازين حسناتك

موضوع رائع


توقيع : نجمة الشرق

الحـــــــب..

"" فــــيروس """

إن سمحت له بالدخول الى قلبك ,, دمر ملفات السعادة فيك

وانشأ ملفات أخرى ,, تختلط فيها ملفات السعادة بالألم

"" فــــيروس ""

إن أمتلك نبضك عشت معذبا

وإن اتت اليك لحظات تشعر فيها بالسعادة

فإنها رويدا رويدا ستصبح مجرد ذكرى في بحر المراره


ورغم ذلك فالحب شيئا لا يمكن أن نعيش بدونه

****************************

نجمة الشرق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-09, 03:54 AM   #8
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد


خديجة بنت خويلد (عليها السلام)
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحديث عن أمّ المؤمنين الكُبرى خديجة بنت خويلد (رض) حديث عن فصل مضيء من تأريخ هذه الاُمّة وأمجادها الخالدة .. وهو حديث عن عظمة المرأة المسلمة وقدوتها الرائدة في مسار العقيدة والتضحية والجهاد .. ولعظيم موقعها ، وأهمية دورها في حـياة هذه الاُمّـة وإخلاصها لزوجها الرسول الهادي محمـد (ص) ، وتفانيها في نصرة الدعوة بالمال والنفس والاخلاص ، استحقّت تحيّة الرّبّ العظيم ، كما استحقّت ثناء النبيّ (ص) وعيشها في قلبه الأمـين طيلة حياته المباركة ، فهو لم يسأم من ذكرها ، والثناء عليها ، والتعبير عن حبِّه لها أمام زوجاته جميعهنّ ، فهي وحدها استحقّت هذه الدرجة من الحبّ النبويّ الكريم الذي عبّر عنه (ص) بقوله : «إنِّي لأحبّ حبيبها».. لقد كان حبّ الرسالة والقيَم المعبِّر عن تقدير وتكريم مكانتها عندما تقتدي بخديجة (رض) وإخلاصها وطهرها وتضحيتها .
إنّ دراسة حياة خديجة (رض) توفِّر لنا العبرة والوعي ، وترسم أمامنا سلوكية المرأة القدوة ، وتكشف عن عظمة الرسالة والدعوة التي صنعت من خديجة هذا المثل النسوي الرائد في عالم الانسان ..
إنّ التأريخ مدرسـة تتعـلّم منها الأجـيال وتتربّى بهديها العقول.وما أحرى المرأة المسلمة بدراسة حياة خديجـة(رض)،وغـيرهما من النساء القدوة كإبنتها البتول سيِّدة نساء العالمين(ع)،وغيرها من النساء القدوة اللّواتي شاركنَ في بناء الحياة وكتابة الفصول المضيئة في تأريخ هذه الاُمّة ، وجسّدنَ السلوكية الايمانية في حياتهنّ الرسالية والاُسرية والاجتماعية .
ولكي نوفِّر للقارئ الكريم بصورة عامّة، وللمرأة المسلمة بصورة خاصّة، قبسات من حياة السيدة الكُبرى أمّ المؤمنين الخالدة خديجة بنت خويلد (رض) ، قامت مؤسسة البلاغ بإعداد هذا الكتاب ( أمّ المؤمنين الكُبرى) ، راجين من الله سبحانه القبول وشفاعة محمد (ص) وخديجة (رض) ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ مَن أتى الله بقلب سليم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-09, 03:57 AM   #9
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد


المرأة والدعوة الإلهية

في تأريخ البشرية رجال عظماء صنعوا التاريخ ، ورسموا مسار الأحداث ، وفي تأريخ البشرية نساء كبريات ساهمنَ في صناعة التأريخ ، وتحديد المسار ووقفنَ إلى جنب الرجال العظماء يؤازرنهم، ويحرِّكنَ فيهم نوازع القوّة والإقدام .. وكم حفل التأريخ بنساء عظيمات اختططنَ المسار بإرادة ذاتية مستقلّة، وبقرار منطلق من الإيمان بالمبادئ والقيم ، وبما يجب أن يسير وفقه ركب الحياة ..
ذكرَ القرآن امرأة فرعون (آسية بنت مزاحم) وتحدّث عن مريم بنت عمران .. نموذجاً للمرأة العظيمة ، ومثلاً للّذين آمنوا .. نموذجاً للمرأة صانعة الموقف العقيدي ، المرأة التي تحدّت الرّعب والقساوة والإرهاب .. إرهاب الطواغيت ، والأهل ، وذوي النفوذ الأسري والاجتماعي والسياسي ..
مريم تتحدّى قومهـا ، وتقف صامدة بوجه المقاطعـة والحرب والرمي بشتّى التّهم والأكاذيـب .. فتصمد حتى ينتصر الحق معـجزة على لسان عيسى الصبيّ الصغير في المهد .. وقبلها تتحدّى آسية بنت مزاحم طغيان زوجها فرعون مصر .. وتضرب المثل الأعلى في التحدِّي ، ورفض الملك والسلطان والنعيم الزائف القائم على الظلم والطغيان .. إنّها استفاقة امرأة حرّة في قصور الجور والارهاب والفساد واستعباد الانسان .. يعظِّم القرآن شـخصية المرأة في هاتين المرأتين .. إنّه الثناء العظيم الذي يجعل من المرأة نموذجاً للأجيال ـ الرجال والنساء ـ فيضربهما مثلاً للناس :
(وضربَ الله مثلاً للّذينَ آمَنوا امرأة فرعون إذ قالت ربِّي ابنِ لي عندكَ بيتاً في الجنّة ونجِّني من فرعونَ وعمله ونجِّني من القوم الظالمين * ومريم ابنة عمران التي أحصَنت فرجها فنفخنا فيه من روحـنا وصدّقت بكلماتِ ربِّها وكتبه وكانت من القانتين)(التحريم/11ـ12).
ويأتي الرسول الهادي محمّد (ص) ، فيتحدّث عن خديجة مقرونة بآسية بنت مزاحم ، ومريم ابنة عمران في المكانة والمقام ، فيصفها بقوله :
(خير نساء العالمين : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد) (1) .
(أربع نسوة سيِّدات عالمهنّ : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، وأفضلهنّ عالماً فاطمة) (2) .
وروى ابن عباس : ( إنّ رسول الله (ص) خطّ في الأرض أربعة خطوط ، قال : أتدرون ما هذا ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، امرأة فرعون) (3) .
وبهذا البيان النبوي الكريم ، توضع خديجـة قدوة وأسوة ، ومثلاً أعلى للرجال والنساء ، إلى جنب آسـية ومريم المذكورتـين في القرآن الكريـم .. فمنطوق الآية : (وضربَ الله مثلاً للّذينَ آمنوا امرأةَ فرعون ... ومريم ابنة عمران ... ) .
إنّ هذا البيان القرآني حريّ بالوقوف عنده والتأمّل فيه ، واستجلاء مفاهيمه ، وهو يتحدّث عن قيمة المرأة في الدعوة الإلهية،ودورها في المجتمع وصراع الحضارات،وصنع التأريخ.
لقد كان في هذا البيان القرآني خطّ فاصل بين مفهومين عن المرأة ، المفهوم الجاهلي المستخفّ بقيمتها وقدرها ، ودورها في الحياة ، وبين مفهوم الاسلام الذي يرسمه القرآن، فيجعل المرأة الصالحة قدوة للرجال، ويدعوهم للاقتداء بمواقفها ، والسّير على نهجها في التحرّر من الظلم والطغيان والخرافة والاستبداد السياسي والارهاب الفكري ، الذي مثّله فرعون ، وطواغيت بني اسرائيل في عصرَي آسية ومريم .
وتجسِّد خديجـة (رض) الموقف نفسه من الظلم والخرافة والطغيان ، ورفض قيم المجتمع المتخلِّف عندما تقف إلى جنب محمد (ص)، مؤمنة مؤازرة، ترصد ما تملك من جهد وإمكان ومال ومشاعر لنصرة الحق، وإنقاذ الانسان .. لذا يتحدّث عنها الرسول (ص) مقرونة بمن سبقها من النساء العظيمات



المرأة في الإسلام

انطلق الاسلام في التعامل مع الانسان كنوع ; لذا تعامل مع هذا النوع على أساس إنسـانيته ، فخاطبـه إنساناً يحمل الغريزة والعقل والشعور الوجداني والاحساس الأخلاقي .. تعامل معه كإنسان من غير أن يفرِّق بين الجنسين: الذكر والاُنثى في الانتماء إلى هذا النوع .. جاء هذا الأساس واضحاً في بيانه القرآني الكريم :
(ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطيِّـبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً )( الإسراء / 70 ) .
(يا أيّها الناس اتقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلقَ منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيباً)(النساء/1).
(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون ) ( الرّوم / 21 ) .
(ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف ) ( البقرة / 228 ) .
(وعاشروهنّ بالمعروف ) ( النساء / 19 ) .
(ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً حملتهُ أُمّه كُرهاً ووضعتهُ كُرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) ( الأحقاف / 15 ) .
(وقضى ربّك ألاّ تعـبدوا إلاّ إيّاه وبالوالدينِ إحساناً إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقُل لهما قولاً كريماً * واخْفض لهما جناح الذلِّ من الرّحمةِ وقُل ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً )( الإسراء / 23 ـ 24 ) .
(وضربَ الله مثلاً للّذينَ آمنوا إمرأة فرعون إذ قالَت ربِّي إبنِ لي عندكَ بيتاً في الجنّة ونجِّني من فرعونَ وعمله ونجِّني من القومِ الظالمين * ومريم ابنة عمـران التي أحصنت فرجها فنفخـنا فيه من روحنا وصدّقت بكلمات ربِّها وكُتبهِ وكانت مِنَ القانتين)(التحريم/11ـ12).
إنّ قراءة هذه النصوص النـيِّرة ، واستجلاء ما حوت من قِيَم إنسانية فريدة تكشف لنا عن قيمة المرأة وموقعها في الرؤية القرآنية للإنسان ، ونجد في نصوص السنّة والسيرة النبوية المطهّرة ، المعبِّرتين بدورهما عن روح القرآن .. نجد ما يوسع دوائر الضوء والبيان حول هذه المفاهيم .. في الآيات السالف ذكرها ; نجد :
ولقد كرّمنا بني آدم .
وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا .
خلقكم من نفس واحدة .
خلق منها زوجها .
وبثّ منها رجالاً كثيراً ونساء .
اتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام .
خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها .
وجعل بينكم مودّة ورحمة .
ولهنّ مثل الذي عليهنّ .
عاشروهنّ بالمعروف .
ووصّينا الانسان بوالديه إحساناً .
حملتهُ أُمّهُ كُرهاً ووضعتهُ كُرهاً .
وحمله وفصاله ثلاثون شهراً .
وبالوالدين إحساناً .
فلا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما .
وقُل لهما قولاً كريماً .
وقُل ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً .
ضرب الله مثلاً للّذين آمنوا إمرأة فرعون ...
ومريم ابنة عمران .. وصدّقت بكلمات ربِّها وكتبه وكانت من القانتين .
إنّ القرآن يؤسِّس مفاهيم وقيماً ورؤىً علمية وأخلاقية ثابتة في الحياة البشرية ، توضِّح إنسانية الانسان وقيمتها في الجنسين الذكر والاُنثى .
إنّ القرآن يقرِّر أنّ الناس ـ رجالاً ونساءً ـ خُلِقوا من نفس واحدة هي النفس الانسانية الحاملة لكل خصائص النوع ، وأنّ خالق الانسانية قد كرّم هذا النوع ، وأبى أن يُهان إلاّ مَن أهان نفسه ، فهو المسؤول عن المهانة تلك .
ويقرِّر القرآن مبدأً نفسياً في العلاقة بين الزوجين ، فيوضِّح أنّها علاقة قائمة على المودّة والرحمة والمعاشرة بالمعروف والاحسان .
والزوجة بما تحمل من حبّ ومشاعر إنسانية تجاه زوجها ، هي راحة وسكن وطمأنينة، تبعد عن زوجها القلق والكآبة ومتاعب الحياة ، وبذا تُبنى الاُسرة السعيدة والحياة الزوجية المستقرّة الهانئة .. يوضِّح هذا المعنى قوله تعالى : (لتسكنوا إليها ) ، وقوله : (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) ( الأعراف / 189 ) .
وتقرِّر مبادئ القرآن، التكافؤ والمماثلة في حق المعاملة بالحُسنى : (ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف ) .
وفي هذه النصـوص ، نجد حق المرأة وكرامتها محفـوظة موقّرة ، سواء أكانت اُمّاً ، أو زوجة ، أو أختاً ، أو ذات رحم .. وإذا كان هذا منهج القرآن في التعامل مع الزوجة ، فإنّه قرنَ احترام الاُم وحُبّها والبرّ بها ، والاحسان إليها بطاعة الله ، ونهى عن أن يُقال لها إلاّ القول الكريم ، وأن تُعامل إلاّ بالمعروف والاحسان ، ولا يصدر من الأبناء حتى كلمة الاُف .
والمرأة في المجتمع كشقيقها الرجل في العلاقة والمسؤولية الاجتماعية والرابطة العقيدية . فهي العنصر المكافئ له في بناء الحياة وإصلاحها ، جاء ذلك في قوله تعالى : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرونَ بالمعروف وينهونَ عن المنكر ) ( التوبة / 71 ) ..
فهي والرجال أولياء متكافئـون في تولِّي بعضهم للبعض الآخر ، ولها صلاحية أمره بالمعروف ، ونهيه عن المنكر ، كما له الصلاحية ذاتها ، بل وهي تأمر زوجها بالمعروف وتنهاه عن المنكر ..
وأمرها ونهيها هذا ملزم له .. فأمر الآمر بالمعروف ، ونهي الناهي عن المنكر موليان ، وليسا إرشاديين ، كما يوضِّح الفقهاء ذلك ، أي ملزمان لمن يُؤمر ويُنهى .
وبذا يكون أمر المرأة بالمعروف ونهيها عن المنكر في مجال الفكر والسياسة والأخلاق والممارسات السلوكية ، كأمر الرجل ونهيه ، فالآية تكلِّفها بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، كما تُكلِّف الرجل بذلك .
وجدير ذكره أنّ هذا التكليف يمنحها أهلية المشاركة في الحياة السياسية بكامل أبعادها كما يمنح الرجل هذه الأهلية .
ويفتح أمامها حق المشاركة في أنشطة الحياة الاجتماعية التي يشملها هذا العنوان كافّة (عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولِّي بين المؤمنين والمؤمنات) .
إنّ دراسة الفقه الاسلامي وقوانين تنظيم المجتمع المدني بمختلف أنشطته من مال وزواج وتملّك وهبة وشـفعة وتجارة وقرض وكفالة وبيع وشراء وإجارة وعمل والتزامات مخـتلفة ، توضِّح لنا أنّ هذه القوانـين تقوم على أساس العقـود . والعقود في الشريعة تقوم على أساس توفّر الأهلية في الطرفين .
والمرأة في الفقه الاسلامي طرف مؤهّل كالرجل في إبرام العقود والالتزامات .. فقد لخّص الفقه الاسلامي وبصورة عامّة شروط الأهلية في الطرفين .. بالعقل والبلوغ ، وأن لا يكون هـناك مانع من نفاذ العقد كالحجر والسفه مثلاً . ولم يشترط الذكورة . فللمرأة حق العمل والاجارة والتجارة والبيع والشراء والهـبة والدّين والضمان والوكالة وكافّة التصرّفات .. وتلك من القضايا الواضحة في الفقه الاسلامي .
ويتّضح حق المرأة بشكل متميِّز في اختيار الزواج وإنشاء عقد الزوجية .
فالمرأة في الشريعة الاسلامية هي التي تُنشئ عقد الزواج ، فهي طرف الإيجاب (طرف إنشاء العقد وإيقاعه) .
ويُمثِّل الرجل طرف القبـول ، وصحّة العقد متوقِّفة على رضا الطرفين وقبولهما ، ولا يصحّ عقد المُكره . ولها أن تحدِّد من الشروط ما تشاء ، إلاّ ما حرّم حلالاً أو حلّل حراماً ، كما للرجل الحق ذاته .
وفي دراسـتنا لحـياة المرأة والاُسرة الاُسوة والقـدوة .. خديجـة زوج الرسول (ص) ، تتضح كل تلك المعاني والقيم بشكل عملي مُجسّد ، فدراسة حياة خديجة والاُسرة النبوية الكريمة ، هي دراسة تطبيقية للقيم والمبادئ الاسلامية التي دعا إليها القرآن الكريم ، وبيّنها وطبّقها الرسول الهادي محمد (ص) في بناء الاُسرة والتعامل مع المرأة .
وكم عبّر الرسول (ص) بقوله وفعله عن قيمة المرأة في حياة الرجل وفي حياة المجتمع ، أمثال قوله : «النساء شقائق الرجال» ، و «من أخلاق الأنبياء حُبّ النساء» ، و «ألا خيركم ، خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي» .
من مجمـل هذا العرض ، تُعرَف قيمة المرأة في الاسلام ، وموقـعها في المجتمع ، وحقّها في بناء الحياة والمشاركة فيها .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-09, 04:12 AM   #10
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد


سيِّدة قريش

الحديث عن خديجة بنت خويلد، حديث عن سيِّدة مرموقة من سيِّدات المجتمع المكِّي .. نسباً وشرفاً ومالاً وجمالاً ومكانة اجتماعية .. فهي خديجة القرشية ، بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشية . تنتسب إلى بطن من بطون قريش الخمسة والعشرين بطناً . وتلتقي مع الرسول (ص) بقصي ، وهي أقرب إلى قصي من النبيّ (ص) برجل(4) .
واُمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصم ، واسمه جندب بن هرم بن رواحة ابن حجـر بن عبد معيص بن عامر بن لؤي .. ولم يتزوّج الرسول (ص) امرأة من ذرِّية قصي غيرها إلاّ اُمّ حبيبة ، كما يذكر المؤرِّخون .
توفّرت لخديجة كل مزايا التفوّق في المجتمع المكِّي من المال والنّسب ، وحُسن السيرة والسّمعة الطيِّبة ، والجمال ، واحتلّت مكانة اجتماعية مرموقة بمالها ونسـبها ، وسُـمعتها الطيِّبة . وصفها كتاب السـيَر بعبارات تدلّ على مكانتها ، وتفوّق شخصيتها في مجتمعها .
قال ابن اسحاق : «وكانت خديجة بنت خويلد إمرأة تاجرة ، ذات ثروة ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه ، بشيء تجعله لهم ...» (5) .
ونقل صاحب السيرة الحلبية في وصف خديجة : «وقالت نفيسة بنت منية ، أخت يعلى بن منية ، وهي من معاصرات خديجة (رض) : وكانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة جلدة (قوية) شريفة ، وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسـباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وأحسنهم جمالاً ، وكانت تُدعى في الجاهلية بالطاهرة» (6) .
(وفي لفظ ، كان يُقال لها : سيِّدة قريش ...) (7) .
وقال ابن الأثير : (قال الزبير : كانت تُدعى في الجاهلية الطاهرة) (8) .
ووصفها أبو محمد عبدالعزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه ـ معالم العترة النبوية ـ :
(وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة ، وهي يومئذ أوسط قريشاً نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ) (9) .
وكان خويلد أبو خديجة واحداً من رجالات قريش الذين سجّل التأريخ لهم مآثر في مكّة المكرّمة .. مأثرة الدفاع عن الكعبة يوم هاجمها تبع ، وأراد أن يحمل الحجر الأسود إلى اليمن .. لقد قاد خويلد جماعة من رجالات قريش ، ونازع تبعاً ليصدّه عن أخذ الحجر الأسود ، ونقله من مكانه في الكعبة المكرّمة،فحال الله دون ما أراد تبع،ولم يقدر على ما أراد.
قال ابن الأثير : «وهو ـ خويلد ـ الذي نازع تبعاً حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن ، فقام في ذلك الوقت خويلد ، وقام معه جماعة من قريش ، ثمّ رأى تبع في منامه ما روّعه ، فنزع عن ذلك ، وترك الحجر الأسود في مكانه» .
وهكذا كان موقع خديجة في مجتمعها وقومها ، سيِّدة مرموقة ، يسمِّيها مجتمعها بـ ( الطاهرة) و (سيِّدة قريش) ، وكانت خديجة امرأة ثريّة تاجرة ، تعيش في مجتمع مكّة التجاري تمارس التجارة ، وتُضارب في مالها ، وتديره بعقل تجاري ، وكفاءة متفوِّقة .
كان الرجال يعمـلون اُجَراء ومُضاربين في تجـارتها .. فاكتسبت بذلك ثروة واسعة ، حتى أصبحت من أكثر قريش مالاً وأعظمهم ثروة .. وذلك يعبِّر عن قوّة شخصيتها ، وقدرتها على إدارة الأعمال ، والتعامل مع ظروف المجتمع .
فكانت امرأة أعمال ناجحة مرموقة ، كما هي سـيِّدة مجتمع تنحدر من طبقة نبيلة مرموقة .. ولم يحدِّث التاريخ، كما ذكر بعض الباحثين ، أنّها تعاملت بالرِّبا ، بل كانت تدير تجارتها عن طريق الاُجراء العاملين ، والمضاربين التجاريين ، وبحصّة من الربح .. لقد كانت تجارتها تنطلق بين الشام ومكّة ، كما كان تجّار قريش يفعلون ذلك .. تلك الظاهرة التي وصفها القرآن بقوله : (لإيلافِ قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصّيف ) ( قريش / 1 و 2 ) .
ويبدو أنّ مصدر ثروة خديجة هو أسرتها الثريّة ، وممّا يؤيِّد ذلك فإنّ ابن أخيها ، حكيم بن حزام ، كان تاجراً ثريّاً ، وهو الذي نهاهُ رسول الله (ص) في المدينة المنوّرة عن احتكار الطعام .. حيث كان التاجر الوحيد الذي يملك الطعام ، ويشتري كل ما يصل إلى سوق المدينة المنوّرة ، ويتحكّم فيه بالاحتكار وتحديد أسعاره .
وتذكر بعض الروايات أنّها ورثت أموالاً كبيرة من زواجها قبل النبيّ (ص) ، إذ ذكرت تلك الروايات أنّها تزوّجت من أبي هالة ، ثمّ من عتيق ، قبل أن تتزوّج من النبيّ (ص) ، غير أنّ روايات أخرى ـ كما سيتّضح ـ تفيد أنّ الرسول (ص) تزوّج خديجة عذراء ، وليست أرملة .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-09, 04:13 AM   #11
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد


الخطبة والزواج

بدأت مرحلة جديدة في حياة خديجة (رض) .. مرحلة التفكير الجدِّي بالاقتران بمحمد (ص) والبحث عن طريق للوصول إليه ، وعرض الفكرة عليه ، علّه يستجيب فتتحقّق الآمال الكبار التي ولدت في نفس خديجة (رض) .
وتحدّث المؤرِّخون في روايتـين مختلفتين عن كيفية عرض الطلب على محمد (ص) ، فابن هشام يذكر في كتابه السيرة النبوية أنّ خديجة هي التي بعثت إلى محمد (ص) ، وطلبت منه اللقاء ، فعرضت عليه موضوع الزواج . ونقل عبارات خديجة الدالّة على نضج هذه الشـخصية ، ومستوى وعيها الاجتماعي ، وفهمها لمواصفات الرجل المؤهّل الذي تختاره الزوجة شريكاً لحياتها .. وتشكِّل هذه الخطوبة ، خطوبة خديجة لمحمد (ص) وطلب الاقتران به في سيرة رسول الله (ص) ، أساساً تشريعياً لاعطاء المرأة العاقلة الرشيدة الحق في أن تخطب الزوج وتبدأ بالخطبة .
فالأحداث ، وإن وقعت قبل النبوّة ، إلاّ أنّ الرسول (ص) لم يفعل شيئاً قبل النبوّة مخالفاً لما بعدها ، لذا نرى التشريع الاسلامي بعد النبوّة يثبِّت هذا الحق، ولم يشترط أن يبدأ الرجل بالخطبة ، وإن جرت الأعراف الاجتماعية على ذلك .
نقل ابن هشام نصوص العرض والخطبة التي خاطبت خديجة بها النبيّ (ص) ، وهي تطلب منه الموافقة على الزواج منها ، قال : (بعثت إلى رسول الله (ص) فقالت له ـ فيما يزعمون ـ يابن عم ، إنِّي قد رغبتُ فيك لقرابتك وسطتك(12) في قومك ، وأمانتك وحُسن حديثك ، ثمّ عرضت عليه نفسها ، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً وأعظمهنّ شرفاً ، وأكثرهنّ مالاً ، كلّ قومها كان حريصاً على ذلك منها ، لو يقدر عليه) (13) .
من هذه المبادئ ، انطلقت خديجة في اختيار زوجها .. انطلقت من قيم الأخلاق وكمال الشخصية .. ولم تنطلق من طلب الثروة والمال رغم انّها من أثرى تجّار مكّة وأغنيائها ..
وتتحدّث رواية أخرى أنّ خديجة (رض) لم تُخاطب محمداً (ص) خطاباً مباشراً بعرضها الزواج منه ، بل أرسلت إحدى النساء وسيطة في ذلك ، وهي نفيسة بنت منية .
قال ابن الأثير: (... فأرسلت إلى رسول الله (ص) ، فعرضت عليه نفسها .. وكان الرسول بين خديجة ، وبين النبيّ (ص) نفيسة بنت منية ، أخت يعلى ابن منية . وأسلمت يوم الفتح . فبرّها رسول الله (ص) وأكرمها ) (14) .
ونقل ابن سعد في الطبقات تفصيلاً لهذه الوساطة ، فقال : (أخبرنا محمد ابن عمر بن واقد الأسـلمي ، أخبرنا موسى بن شـيبة ، عن عميرة بنت عبيدالله بن كعب بن مالك ، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع ، عن نفيسة بنت منية ، قالت : كانت خديجـة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزّى بن قصي امرأة حازمة ، جلدة ، شريفة ، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهي يومئذ أوسط قريش نسـباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وكلّ قومها كان حريصاً على نكاحها ، لو قدر على ذلك ، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال ، فأرسلتني دسيساً إلى محمد ، بعد أن رجع في عِيرها من الشام ، فقلت : يا محمد ! ما يمنعك أن تتزوّج ؟ فقال : ما بيدي ما أتزوّج به ، قلت : فإن كفيت ذلك ، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ، ألا تُجيب ؟ قال : فمَن هي ؟ قلت : خديجة ، قال : وكيفَ لي بذلك ؟ قلت : عليَّ ، قال : فأنا أفعل ، فذهبتُ فأخـبرتها ، فأرسـلت إليه أن أئتِ لساعة كذا وكذا ... » (15) .
وهكذا توفّر الرِّضا ، وتهيّأت الأجواء لاقتران خديجة بمحمد (ص) ، زوجةً وعوناً ، تمنحه حبّها ، ويمنحها الحبّ الصادق الطّهور ، لبناء الاُسرة النموذجية الفريدة في عالم الانسان .. وإذاً فلتبدأ الخطوبة بشكلها العُرفي المألوف في المجتمع .
إنطلق محمد (ص) ، وحدّث أعمامه بعرض خديجة ، وطلبها الزواج منه ، ليتوجّه وفد بني هاشم إلى بيت خديجة (رض) خاطباً ، وطالباً تزويجها بمحمد (ص) .. استجاب أعمامه دونما اعتراض أو مناقشة ، فخديجة ليست من النساء اللّواتي يُناقش سادة بني هاشم في تزويجها من محمد (ص) .. انطلق أبو طالب وحمزة في وفد إلى بيت خديجة، واستقرّ المجلس بالحاضرين، فراحَ أبو طالب يوجِّه الطلب إلى خديجة وعمِّها عمرو بن أسد ، فأبوها كان توفِّي قبل حرب الفِجار .
قال ابن الأثير في البداية والنهاية : (قال المؤملي : المجتمع عليه أنّ عمّها عمرو بن أسد هو الذي زوّجها منه، وهذا هو الذي رجّحه السهيلي ، وحكاه عن ابن عباس وعائشة . قالت : وكان خويلد مات قبل الفِجار ... ) (16) .
بدأ أبو طالب حديثه وإلقاء الخطبة في المجلس الذي ضمّ وجوه قريش وبني هاشم ، فقال : ( الحمد لله الذي جعلنا من ذرِّية ابراهيم واسماعيل ، وضئضئ معد ، أي معدنه ، وعنصر مضر ، أي أصله ، وجعلنا حضنة بيته ، أي المتكفِّلين بشأنه ، وسُوّاس حرمه ، أي القائمين بخدمته ، وجعله لنا بيتاً محجوجاً ، وحرماً آمناً ، وجعلنا حكّام الناس ، ثمّ انّ ابن أخي هذا محمد بن عبدالله لا يوزَن به رجل إلاّ رجح عليه شرفاً ونُبلاً وفضلاً وعقلاً ، وإن كان في المال ، فانّ المال ظلّ زائل ، وأمر حائل ، وعارية مُسترجَعة ، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطر جليل ، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة ، وقد بذل لها من الصِّداق ما عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشّاً ، وهو عشرون درهماً ، والأوقية أربعون درهماً ، وكانت الأواقي والنش من ذهب ، كما قال المحبّ الطـبري ، أي فيكون جملة ، الصِّداق خمسمائة درهم شرعي ، وقيل أصدقها عشرين بكرة ، أي كما تقدّم .. (أقول) لا منافاة لجواز أن تكون البكرات عوضاً عن الصِّداق المذكور ، (وقال بعضهم) يجوز أن يكون أبو طالـب أصدقها ما ذكر وزاد صلّى الله عليه وآله وسلّم من عنده تلك البكرات في صِداقها ، فكان الكل صادقاً ، والله أعلم .
قال : وعند ذلك ، قال عمّها عمرو بن أسد : هو الفحل لا يُقدع أنفـه،وأنكحها منه)(17).
وتتحدّث الروايات عن أنّ عمر رسول الله (ص) كان عند زواجه من خديجة (رض) هو خمساً وعشرين سنة ، وهي أوّل امرأة تزوّجها .. وكان ذلك قبل تجديد قريش بناء الكعبة الذي حلّ فيه رسول الله (ص) مشكلة الحجر الأسود .
وتفيد أكثر الروايات أنّ عمر خديجة (رض) كان عند زواجها من النبيّ (ص) هو أربعين سنة . وتتحدّث روايات أخرى عن أنّ عمر خديجة كان عند زواجها من النبيّ (ص) خمساً وعشرين سنة . وتقول أخرى أنّ عمرها ثمان وعشرون سنة .
ونقل ابن الأثير:(عن البيهقي،عن الحاكم،أ نّه كان عمر رسول الله (ص) حين تزوّج خديجة خمساً وعشرين سنة،وكان عمرها آنذاك خمساً وثلاثين سنة،وقيل خمساً وعشرين سنة)(18).
ونقل ابن الأثير ما يؤيِّد أنّ عمر خديجة (رض) كان خمساً وعشرين سنة عند تزوّجها من رسول الله (ص) ، فقد روى ما نصّه : (قال البيهقي ، عن الحاكم ، قرأتُ بخطِّ أبي بكر بن أبي خيثمة : حدّثنا مصعب بن عبدالله الزبيري ، قال : ... وبلغت خديجة خمساً وستين سنة ، ويُقال خمسين سنة ، وهو أصح) (19) .
فتصحيح القول بأنّ عمرها (رض) كان خمسين سنة عند وفاتها ، يؤيِّد الرواية القائلة أنّها تزوّجت رسول الله (ص) وعمرها خمس وعشرون سنة ، ذلك لأ نّها عاشت معه (ص) خمساً وعشرين سنة ، خمس عشرة سنة منها قبل البعثة ، وعشراً بعدها .
ونقل الأربلي : (وعن ابن عباس أنّه (ص) تزوّجها ، وهي ابنة ثماني وعشرين سنة ، ومهرها النبيّ(ص)اثنتي عشرة أوقية ، وكذلك كانت مهور نسائه،وقيل:أنّها ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة،وتزوّجها وهي بنت أربعين سنة،ورسول الله ابن خمس وعشرين سنة)(20).
ونقل الأربلي أيضاً : (وقال ابن حمّاد : بلغني أنّ رسول الله (ص) تزوّج خديجة على اثنتي عشرة أوقية ذهباً، وهي يومئذ ابنة ثماني وعشرين سنة)(21).
وهكذا تتحدّث الروايات مختلفة في عمر خديجة عند زواجها من النبيّ (ص) ، فهي تتراوح بين الأربعين ، والخمس والثلاثين ، والثمان والعشرين ، والخمس والعشرين سنة ..
وتذكر الروايات أنّ صِداق نساء رسول الله وبناته كان خمسمائة درهم .. روى حمّاد بن عيسى،عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق(ع) :قال:(سمعتهُ يقول:قال أبي:ما زوّج رسول الله(ص)سائر بناته،ولا تزوّج شيئاً من نسائه على أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش)(22).
وثمّة مسألة أخرى تحدّثت الروايات عنها ، وهي : هل تزوّجت خديجة برسول الله (ص) وهي عذراء ، أو تزوّجها وهي أرملة ؟
اختلفت الروايات في ذلك ، فبعضها تتحدّث عن أنّ خديجة (رض) كانت قد تزوّجت قبل النبيّ (ص) ، وقال آخرون أنّ النبيّ (ص) تزوّج خديجة عذراء .
فقد جاء في بعض الروايات :
(تزوّج بمكّة أوّلاً خديجة بنت خويلد،قالوا وكانت عند عتيق بن عائذ المخزومي،ثمّ عند أبي هالة زرارة بن نباش الأسدي،وروى أحمد البلاذري وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي،وأبو جعفر في التلخيص،أنّ النبيّ(ص)تزوّج بها،وكانت عذراء)(23).
وجاء في السياق الآنف الذكر نفسه : (وتزوّج (ص) عائشة بنت أبي بكر ، وهي ابنة سبع قبل الهجرة بسنتين ، ويقال : كانت ابنة ست ودخل بها بالمدينة في شوّال ، وهي ابنة تسع ، ولم يتزوّج غيرها بكراً ) (24) .
لقد تمّ الزواج ، وطلبت خديجة من محمـد (ص) أن ينتقل إلى بيتها ، ليعيش معها في ذلك البيت السعيد ، بين الحبّ والوفاء . فإنّه أعظم بيت بُنيَ على سطح هذه الأرض . لقد جسّدت خديجة خلق المرأة المثالية في علاقتها مع زوجها من الحبّ والوفاء والبذل والعـطاء ، والوقـوف إلى جنبه حين اشتدّت المحنة عليه ، إنّ النبيّ (ص) يُبادلها مشاعر الحبّ والاحترام ويردِّد بعد وفاتها قوله المشهور : «إنِّي لأحبّ حبيبها» .
لقد شاركتهُ شطرين من الحياة ، شطر الدِّعة والراحة والاستقرار ، وشطر الدعوة والكفاح والجهاد والحصار . فكانت هي خديجة في ظروف المحنة وقساوة الجهاد ، لا تزداد إلاّ حُبّاً لمحمد ، وإصراراً على الوقوف إلى جنبه والتفاني في سبيل أهدافه .
وصف ابن هشام علاقة خديجة بمحمد (ص) وعيشها معه في بحبوحة الاُسرة ، فقال : (وآمنت به خديجة بنت خويلد ، وصدّقت بما جاءه من الله ، ووازرته على أمره ، وكانت أوّل مَن آمن بالله ورسـوله ، وصدّق بما جاء منه ، فخفّف الله بذلك عن نبيِّه ، لا يسمع شيئاً ممّا يكرهه ، من ردٍّ عليه ، وتكذيب له فيحزنه ، إلاّ فرّج الله عنه بها ) (25) .
وبذا اسـتحقّت أن تكون من أعظم نساء الأرض ، ومن خيرة نساء الجنّة .. قدوة وأسوة . وبذا استحقّت أن تُلقّى تحيّة الربّ ، ينقلها جبرئيل إليها عن طريق محمد (ص) .
وبذا استحقّت أن تُبشّر ببيت من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ، ذلك لأ نّها لم تصخب يوماً بوجه محمد (ص) ، ولم يرَ منها ما يزعجه ، أو يكدِّر صفو العيش معها طيلة حـياته ، بل كانت تمنحه الحب ، وتشدّ من أزره ، وتخفِّف عنه آلام يوم اشتدّت محنة الصراع مع خصوم الدعوة .
تلك سيرة خديجة مع محمد (ص)، أثنى عليها الربّ الكريم، ولهج بالإشادة بها لسان محمد (ص) طيلة حياته ، فلم تغب تلك المرأة العظيمة عن قلبه وذاكرته .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-01-09, 02:29 AM   #12
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد



بيت خديجة (رض)

وخديجة المرأة الثريّة ، وسيِّدة المجتمع ، كان لها بيتها المرموق في مكّة ، فهي أثرى تجّار قريش ، بل قُدِّرت تجارتها التي كانت تُسيِّرها إلى خارج مكّة في بعض السنين بما يُعادل تجارة قريش كلّها . وخديجة التي أراد الله لها شرف الاقتران بمحـمد (ص) ومنحه حبّها وإخلاصها ومالها . ومحمّد (ص) الذي عاشَ فقيراً في بيت عمِّه أبي طالب ، وها هو في الخامسة والعشرين من عمره المـبارك ، لا يملك ثروة ولا داراً . وقد تمّت الخطوبة ، وتمّ عقد الزواج في محضر من وجوه قريش ، وسادة بني هاشم . والمألوف في تقاليد الزواج أن تنتقل الزوجة إلى بيت زوجها ، غير أنّ خديجة دعتهُ إلى الإقامة معها في بيتها .. ذلك البيت الخالد الذي أصبح معلماً ومسجداً .. وجزءاً من تاريخ الاُمّة وتراثها النيِّر المجيد .
عاش محمد (ص) في أجواء هذا البيت سعيداً بخديجة ، وعاشت خديجة سـعيدة بزوجها العظيم محمد (ص) . لقد كان هذا البيـت واحة الأمل في صحراء التأريخ، وبعث النور في ظلال مكّة، وسارت الأيام وانقضت السنون وسجّل التأريخ خمسة عشر عاماً من عمر هذا البيت الفريد على سطح هذا الكوكب ، وهو يشرق بالأمل،ويترقّب إشراقة الوحي حتّى خوطِبَ محمد(ص)بالرسالة،وانطلقت الدعوة من هذا البيت،فحامت حوله أحداث ومعاناة آلام،حتّى عانى رسول الله(ص)وخديجة(رض)الكثير من أذى الجيران والرحم،فكان عمّه أبو لهب جاراً له،وكان يرصده ويرميه بالحجارة هو وعدي بن أبي الحمراء الثقفي وهو في داره تلك.فيخرج عليهم،ويُناديهم محتجّاً ومثيراً فيهم ما تبقّى من مشاعر وجدانية وأخلاقية اجتماعية يحترمها المجتمع،ويعترف بها الجميع،يناديهم بقوله:(أيّ جوار هذا يا بني عبد المطّلب).فتلك المعاملة السيِّئة،لم تألفها العرب بتقاليدها المعروفة بحماية الجوار واحترام الجار.
تحدّث ابن الأثير عن منزل خديجة (رض) الخالد ، فقال : (وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يُعرَف بها اليوم ، فيُقال : إنّ معاوية اشتراه ، وجعلهُ مسجداً يُصلّى فيه) (26) .
وقال الطبري متحدِّثاً عن هذا المنزل العتيد والمعالم القائمة فيه : ( وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يُعرف بها اليـوم ، فيُقال منزل خديجة ، فاشتراه معاوية فيما ذكر ، فجعله مسجداً يصلِّي فيه الناس ، وبناهُ على الذي هو عليه اليوم ، لم يُغيّر ، وأمّا الحجر الذي على باب البيت عن يسار مَن يدخل البيت ، فانّ رسول الله (ص) كان يجلس تحته ، ويستتر به من الرّمي إذا جاءه من دار أبي لهب ، ودار عدي بن أبي حمراء الثقـفي ، خلف دار ابن علقمة . والحجر ذراع وشبر في ذراع) (27) .
وجاء في موسوعة العتبات المقدّسة : (فمن مشاهدها ((28)) التي عاينّاها فيه الوحي ، وهي في دار خديجة أمّ المؤمنين (رض) ، وبها كان ابتناء النبيّ (ص) بها ، وقبّة صغيرة أيضاً في الدار المذكورة ، فيها كان مولد فاطمة الزهراء (ع) ، وفيها أيضاً ولدت سيِّدي شباب أهل الجنّة : الحسن والحسين((29)) .
وهذه المواضع المقدّسة المذكورة مُغلقة ، مصونة ، قد بُنيَت بناء يليق بمثلها ) (30) .
وتحدّث أبو الوليد الأزرقي في كتابه (أخبار مكّة) عن بيت خديجة (رض)، فقال : ( ... ومنزل خديجة ابنة خويلد زوج النبيّ (ص) وهو البيت الذي كان يسكنهُ رسول الله (ص) وخديجة ، وفيه ابتنى خديجة ، وولدت فيه خديجة أولادها جميعاً (31) ، وفيه توفِّيت خديجة ، فلم يزل النبيّ (ص) ساكناً فيه حتّى خرج إلى المدينة مهاجراً ، فأخذهُ عقيل بن أبي طالب ، ثمّ اشتراه منه معاوية، وهو خليفة، فجعلهُ مسجداً يُصلّى فيه، وبناهُ بناءه هذا وحدّد(32)الحدود التي كانت لبيت خديجـة لم تُغـيّر ، فيما ذكر عن مَن يوثـق به من المكِّـيين(33) ، وفتح معاوية فيه باباً من دار أبي سفيان بن حرب هو قائم إلى اليوم ، وهي الدار التي قال رسول الله (ص) يوم الفتح : مَن دخلَ دار أبي سفيان فهو آمِن (34) .
وهي الدار التي يُقال لها اليوم دار ريطة بنت أبي العباس أمير المؤمنين ، وفي بيت خديجة هذا صفيحة من حجارة مبنيّ عليها في الجدر ، جدر البيت الذي كان يسـكنه النبيّ (ص) ، قد اتّخذ قدام الصفيحة مسجداً ، وهذه الصفيحة مسـتقبلة في الجدر من الأرض ، قدر ما يجلس تحتها الرجل ، وذرعها ذراع في ذراع في ذراع وشبر .
قال أبو الوليد : سألتُ جدِّي أحمد بن محمد ويوسف بن محمد بن ابراهيم وغيرهما من أهل العلم من أهل مكّة عن هذه الصفيحة ، ولِمَ جعلت هنالك ؟ وقلت لهم أو لبعضهم : انِّي أسمع الناس يقولون : انّ رسول الله (ص) كان يجلس تحت تلك الصفيحة فيستدرئ بها من الرمي بالحجارة إذا جاءتهُ من دار أبي لهب ، ودار عدي ابن أبي الحمراء الثقفي(35) ، فأنكروا ذلك وقالوا : لم نسمع بهذا من ثبت ، ولقد سمعنا مَن يذكرها من أهل العلم ، فأصحّ ما انتهى إليها من خبر ذلك أنّ أهل مكّة كانوا يتخذون في بيوتهم صفائح من حجارة تكون شبه الرفاف يوضع عليها المتاع ، والشيء من الصبني(36) والداجن يكون في البيت ، فَقَلَّ بيتٌ يخلو من تلك الرفاف(37) ، قال جدِّي : وأنا أدركتُ بعض بيوت المكِّيين القديمة ، فيها رفاف من حجارة ، يكون عليها بعض متاع البيت ، قال : فيقولون : إنّ تلك الصفيحة التي في بيت خديجة من ذلك) (38) .
وهكذا تبقى هذه الدار الخالدة معلماً يحكي قصّة البيت النبوي الأوّل ، وسجلاًّ تأريخياً خالداً يحتفظ بأروع ما في تاريخ الاسلام على صغره . فهو يحتفظ بمعالم الأذى والاضطهاد ، الذي لاقاه رسول الله ، ليكون عبرةً للدّعاة وحملة الأصلاح على مرّ العصور ، كما يحتفظ بمعالم الوحي ، ومهبط جبرئيل الذي يمنح هذا البيت قدسيّة خاصّة ، وتأ لّقاً فريداً .
وممّا حوى هذا السجلّ التأريخي الخالد، الموضع الذي ولدت فيه فاطمة ، أمّ الأئمة الهُـداة من آل الرسول (ص) ، موضع ولادتها المباركة تدلّ عليه قبّة ، إلى جنب القـبّة التي تدلّ على موضع نزول الوحي على رسول الله (ص) ، ففي بيت خديجـة كان يهبط جبرئيل ، ويأتي بالوحي والرسالة ، وخديجة تشهد مُلتقى عالم الغيب والشهادة ..
إنّها بقعة مقدّسة مباركة ، إقترن فيها محمد (ص) بخديجة ، وهبط فيها جبرئيل (ع) ، خاطب فيها محمداً (ص) ، وولدت فيها بضعة الرسول (ص) فاطمة (ع) . فكم في هذه الدار من تأريخ وخير وذكريات .. لقد كان مرفأ النور ، ومنطلق الدعوة ، ومأوى الحبّ ، وموضع السّكن والرّاحة لرسول الله (ص) ، وبيت الأبنـاء ، ومجمع الاُسرة المسلمة الاُولى على وجه الأرض ، محمّد (ص) وخديجة (رض) ، وعليّ وفاطمة (ع) .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-01-09, 02:31 AM   #13
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد



في انتظار الوحي

على موعد يا محمد (ص) .. تلك مكّة .. وهذا العالم في انتظار البشارة وأن يتحقّق الدعاء .. دعاء أبي الأنبياء الكبير .. خليل الرّحمن ابراهيم (ع) .. العالم ينتظر ، والتأريخ يفتح آفاقه ، والبيت الحرام يشكو وثنيّة المشركين .. العالم بانتظار أن تُجاب الدعوة .. دعوة ابراهيم يوم رفع يديه بالدعاء ، وهو يُسكن هاجر واسماعيل (ع) ، جدّ قريش ، عند الحرم الآمن :
(ربّنا إنِّي أسكنتُ من ذرِّيّتي بواد غير ذي زرع عند بيتِكَ المحرّم ربّنا ليُقيموا الصّـلاة فاجعل أفئِدَة مِنَ الناسِ تهـوي إليهِم وارزقهُم مِنَ الثمرات لعلّهم يشكرون)(ابراهيم/37).
(ربّنا وابعَث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتكَ ويُعلِّمهم الكتابَ والحكمةَ ويُزكِّيهم ، إنّك أنتَ العزيز الحكيم ) ( البقرة / 129 ) .
وبعد سنين من البعثة ، يكشف القرآن عن هذه الإجابة بقوله :
(هو الّذي بعثَ في الاُمِّيِّـين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويُزكِّيهم ويُعلِّمهم الكتابَ والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مُبين ) ( الجمعة / 2 ) .
ويؤكِّد الرسول (ص) هذه الحقيقة بقوله : ( أنا دعوة أبي إبراهيم) .
ففي دعاء ابراهيم الملهم ، بيان للأحداث وتخطيط لمستقبل البشرية ، وبشارة بمحمد (ص) ووعد العرب بالانتظار .. ابتدأ المسار يوم نفذت الحكمة الإلهية على يدي ابراهيم (ع) ، إذ ينطلق من أرض بابل إلى بلاد الشام ، لتقوده دعـوة التوحيد إلى مصر فتقترن به هاجر .. ليعود بها إلى أرض الحرم ولتكون اُمّاً لاسماعيل (ع) ومحمد (ص) ، فيستقرّ بها وباسماعيل المقام حول زمزم .. حول الحرم الآمِن .. ويدرج اسماعيل في ذلك الرحاب وينشأ في بيئة العرب .. وها هو صبيّ قد بلغ السّعي . ثمّ يجتاز الامتحان الإلهي الصّعب .. امتحان الذّبح . ليؤسِّس مع أبيه البيت الحرام ، ليكون مثابة للناس وأمناً ، ومناراً للتوحيد ومَعْلَماً للحق ..
يُسجِّل القرآن كل تلك الأحداث بقوله :
(وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيتِ واسماعيل ربّنا تقبّل منّا إنّكَ أنتَ السّميع العليم * ربّنا واجعلنا مُسلِمَينِ لكَ ومِن ذرِّيّتنا اُمّةً مسلمة لكَ وأرِنا مناسكنا وتُب علينا إنّكَ أنتَ التوّاب الرّحيم ) ( البقرة / 127 ـ 128 ) .
(وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلمات فأتمّهنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ للناسِ إماماً قالَ ومِن ذرِّيّتي قالَ لا ينال عهدي الظّالمين ) ( البقرة / 124 ) .
وإذاً ، فالعالم بانتظار محمد (ص)، نبيّ من وُلدِ اسماعيل، من مكّة المكرّمة ، فتُبشِّر به التوراة والإنجيل :
(النبيّ الاُمِّيّ الّذي يجـدونهُ مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ... )(الأعراف/157).
(ومُبَشِّراً بِرَسول يأتي مِن بعدي اسمهُ أحمد ... ) ( الصّف / 6 ) .
وتعتزّ قريش بأنّها من ذرِّية ابراهيم ، وكثيراً ما يُكرِّر أصحاب الرأي والفخر فيها كلمة ( أبونا ابراهيم) ، ويُثبِّت القرآن ذلك بقوله : (ملّةَ أبيكُم إبراهيم ) ( الحج / 78 ) .
لقد آنَ الأوان أن تُجاب دعوة ابراهيم الملهمة ، وأن يرسل الله سبحانه محمداً (ص) .. الذي قال لقومه : ( أنا دعوة أبي ابراهيم) .
لقد آن الأوان لبعـثة خاتم الأنبياء،فالأرض تغطّ في سحب الظلام،وصيحات المعذّبين تتعالى في الآفاق،والطغيان يملأ رحاب الأرض،ودعوة التوحيد قد حُرِّفت معالمها،فارتدّ الناس إلى الجهل والخرافة..إلى عبادة الأوثان،إلى الشِّرك والجاهلية..إلى القول بأنّ الله ثالث ثلاثة .. إلى الاعتقاد بأنّ عُزيراً ابن الله .. وأنّ المسيح ابن الله ، إلى عقيدة التجسيم والحلول ..
لم يكن بعث محمد (ص) أمراً مفاجئاً له ، كما تُصـوِّر بعض الروايات المحرّفة ذلك ، ولم تبدأ النبوّة بهبوط جبرئيل (ع) في غار حراء ، وقراءته على محمد (ص) : (إقرأ باسم ربِّكَ الّذي خَلَق ... ) ( العلق/ 1 ) .
لقد كان محمـد (ص) يُعدُّ ويُهيّأ للنبـوّة ، كما هيِّئت وأعدّت أذهان البشرية ، لا سيّما أصحاب الكتب السـماوية لهذا الحدث العظيم .. لذا كان اتجاه محمد (ص) إلى غار حراء للتحنّث والتعبّد والتأمّل ولإنتظار الحدث العظيم ، لانتظار الوحي والرسالة .
حدّث المؤرِّخون وكتّاب السيرة ، وجاءت الأخبار والروايات أنّ رسول الله (ص) لم يُفاجأ بالوحي ، بل أوّل ما بدئ بالرؤيا الصالحة .. وهي اُولى درجات الوحي والنبوّة .. جاء عن الامام أبي جعفر الباقر (ع) : ( الرسول الذي يأتيه جبرئيل (ع) قُبلاً فيراه ويُكلِّمه ، فهذا الرسول ، وأمّا النـبيّ فهو الذي يرى في منامـه نحو رؤيا ابراهيم (ع) ، ونحو ما كان رأى الرسول (ص) من أسباب النبوّة قبل الوحي ، حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة ، وكان محمد (ص) حين جمع له النبوّة ، وجاءته الرسالة من عند الله ، يجيئه بها جبرئيل (ع) ، ويُكلِّمه بها قُبلاً . ومن الأنبياء مَن جمع له النبوّة ، ويرى في منامه ، ويأتيه الروح ، ويُكلِّمه ويُحدِّثه من غير أن يكون يرى في اليقظة ، وأمّا المحدَّث ، فهو الذي يُحدَّث فيسمع ولا يُعايِن ولا يرى في منامه) (39) .
وبذا يتّضح أنّ الرسول محمداً (ص) كان يرى من أسباب النبوّة في المنام قبل نزول الوحي في غار حراء ما يؤكِّد له ذلك .
وروت عائشة : ( أنّ أوّل ما بدئ به رسول الله (ص) من الوحي ، الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح ، ثمّ حُبِّب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنّث فيه ، وهو تعبُّد الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزوّد لذلك ، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق ، وهو في غار حراء ... ) (40) .
وقال العلاّمة المجلسي : ( إعلم أنّ الذي ظهر لي من الأخبار المعتبرة ، والآثار المستفيضة ، هو أ نّه (ص) كان قبل بعثته قد أكمل الله عقله في بدو سنِّه نبياً مؤيّداً بروح القدس ، يُكلِّمـه الملك ، ويسمع الصوت ، ويرى في المنام ، ثمّ بعد أربعين سنة صار رسولاً ، وكلّمه الملك معاينـة ، ونزل عليه القرآن ، واُمِرَ بالتبليغ ... ) (41) .
وهكذا كان محمد (ص) يجاور ويتعبّد منتظراً البشارة والكرامة الإلهية .. وهكذا كانت خديجة تشهد بداية الحدث العظيم يجري في بيتها ، وتشهد التحوّل في حـياة زوجها النبيّ (ص) ، تُشاهد ميله إلى الوحدة وحبّ الانفراد، والانفتاح على عالم الغيب ، والتأمّل في ملكوت السماوات والأرض ، وأ نّه ليبقى على تلك الحال اللـيالي والأيام ، يتعبّد ويتحنّـث ، ويتزوّد من القُرب والتكامل ، ويتهيّأ لاستقبال البشارة وحمل الأمانة .. وإنّ خديجة تقف إلى جانب محمد (ص) تعدّ له الطعام ، وتزوِّده بالماء حين يذهب إلى غار حراء ، وتوفِّر له الأجواء العائلية المنسجمة ، وتُعينه على أداء المهمّة .
كشف كتاب السير أنّ النبيّ (ص) قد حدّث خديجة عن رؤيا في المنام قد رأى فيها المـلَك ، يحدِّثـه ويلقي إليه . فهي إذاً كانت تُعايش بدايات الوحي ، وترقب بأمل ما سينتهي إليه أمر تلك البشارات .
فعن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، قال : «فيما بلغنا أوّل ما رأى رسول الله (ص) أنّ الله تعالى أراه رؤياً في المنام ، فشقّ ذلك عليه ، فذكرها لامرأته خديجـة ، فعصمها الله عن التكذيب ، وشرح صدرها للتصديق ، فقالت: أبشِر فانّ الله لم يصنع بك إلاّ خيراً ، ثم رجع فأخبرها أنّه رأى بطنه شُقّ ثم غُسِلَ وطُهِّر،ثم اُعيد لما كان،قالت:هذا والله خير، فأبْشِر» (42).
روت عائشة قائلة: (وحبّب الله تعالى إليه الخلوة،فلم يكن شيء أحبّ إليه من أن يخلو وحده)(43).


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-01-09, 02:33 AM   #14
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد


اسلام وتصديق

وتسـتقبل خديجة خبر الوحي وما جرى لمحمـد (ص) في غار حراء بالتصديق . فقد حدّثها (ص) بنزول الوحي وتكليم جبرئيل (ع) ونزول الآيات الخمس الاُولى من سورة العلق : (إقرأ باسم ربِّكَ الّذي خَلَق * خَلَقَ الإنسـانَ من عَلَق * إقرأ وربّكَ الأكرم * الّذي علّمَ بالقـلَم * علّمَ الإنسان ما لم يَعْلَم ) .
وتستجيب خديجة ، وتصدِّق محمداً (ص) من غير معارضة ولا تشكيك ولا جدال في الدليل ، فكأنّها تنتظر النبوّة ، كما كان ينتظرها محمد (ص) ، وتسلم خديجة ، وتشهد بنبوّة محمد (ص) . فكانت أوّل امرأة أسلمَت على وجه الأرض .. فسجّلت بذلك شرف الدّنـيا وكرامة الآخرة . ويُسجِّل لها الرسول (ص) ذلك السبق بقوله : (خديجة سابقة نساء العالمين إلى الايمان بالله وبمحمد) (48) .
قال ابن هشام عن اسـلام خديجة (رض) : (وآمنت به خديجة بنت خويلد ، وصدّقت بما جاءه من الله ، ووازرته على أمره ، وكانت أوّل مَن آمن بالله وبرسوله ، وصدّق بما جاء منه . فخفّف الله بذلك على نبيِّه (ص) ، لا يسمع شيئاً ممّا يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، إلاّ فرّج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبِّته وتخفِّف عليه ، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس ، رحمها الله تعالى) (49) .
وتشهد خديجة بداية الوحي ورؤيا النبوّة الاُولى ، إذ يحدِّثها النبيّ (ص) بما يشاهد في منامه من رؤيا ووحي ، فتصدِّقه وتؤمن به .
رُوي عن عمر بن عنبسة السلمي، قال : ( أتيتُ رسول الله أوّل ما بُعِث ، وبلغني أمره ، فقلت : صِف لي أمرك ، فوصفَ لي أمره وما بعثه الله به ، فقلت : هل يتبعك على هذا أحد ؟ قال:نعم،إمرأة وصبيّ وعبد،يريد خديجة بنت خويلد وعليّ بن أبي طالب وزيد بن حارثة)(50).
إنّ سبق خديجة إلى الاسلام وعرض الرسول (ص) أحداث الوحي عليها ، يكشف عن قيمة المرأة في رسالة محمد (ص) ، وأنّ هذه الرسالة لا تفرِّق بين الرجل والمرأة إلاّ بقدر ما يتّصل بالطبيعة التكوينية لهما .. لقد استجابت مشاعر خديجة وعقلها وقلبها للدعوة والرسالة ، وتفاعلت معها .. لقد كانت هذه الاستجابة نتيجة للتهيئة التربوية والتغيير النفسي والعقلي الذي اكتسبته خديجة من حياتها الزوجية طيلة خمسة عشر عاماً الماضية .
في إطار هذا البيت النبوي الكريم ، كان يعيش علي بن أبي طالب في حجر رسول الله (ص) وفي رعاية خديجة . فكان يعيش الأجواء التي تعيشها هذه الاُسرة ، ويتلقّى من ابن عمِّه الذي اختصّه بعنايته وتربيته وتأهيله ، ما جعله بمستوى الاستجابة الكاملة ، وهو في هذه السن للتصديق بالنبوّة ..
وهكذا تكوّنت النواة الاُولى للبناء الاسلامي الشامخ ، الرسول محمد (ص) وعليّ (ع) وخديجة (رض) ، فلم يكن بيت في الاسلام حينئذ غير هذا البيت ، فمنه انطلقت مسـيرة النور ، وحول مداراته توالت أحداث التأريخ . ويسجِّل الامام عليّ (ع) هذا الحدث التأريخي العظيم ، والسَّبق المشرِّف للحق بقوله : (ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما ) (51) .
لقد اسـتقبل الاثنان النبـوّة والدعـوة بصدق وتصديق ، فكانا أوّل صدِّيقين في عالم المسلمين . وما أجمل وصف ابن اسحاق لها بقوله : ( كانت خديجة وزيرة صدق) .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-01-09, 02:34 AM   #15
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,719
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: السيدة خديجة بنت خويلد



خديجة (رض) في شِعب الحصار

انطلق محمد (ص) يصدع بدعوته ، ويدعو إلى رسالته ، وخديجة تشدّ من أزره وتقف خلفه ، وتمدّه بمالها وإسنادها الاُسري الفريد .. لقد انطلق محمد (ص) متحدِّياً طواغيت قريش ، وكبرياء الوثنية ، وغرور السلطة والمال .. يدعـو إلى الايمان بالله وتحرير الانسـان من الظلم والطاغوت ، فاستجابت له القلوب المتفتحة ، والعقول الباحثة عن الحقيقة ، والانسان المضطهد الذي ينشد الحرية والعيش في ظل قيم الحق والعدل والكرامة .. لقد أحدثت الدعوة إلى الاسلام هزّة عنيفة في المجتمع المكِّي ، بل أحدثت زلزالاً في بناء المجتمع الجاهلي هذا ، فقد أسقطت عقائده الخرافية ، وقيمه البالية ، وأعرافه ونظمه التالفة ، وها هم الناس يقبلون على هذه الدعوة ، ويتزايد عدد المؤمنـين بها ، فاستخدمت قريش كل الوسائل التي كانت تفكِّر بها لإعاقة مسيرة الدعوة ، وإيقاف مشروع التغيير والاصلاح الفكري والاجتماعي العظيم الذي حمله القرآن إلى البشرية كافّة ..
لقد استعملت وسائل الاشاعة والدعاية المضادّة ، وتشويه شخصية الرسول (ص) ودعوته ، فلم تُفلِح ، واستخدمت وسائل التعذيب والقتل ، فلم توقِف زحف الدعوة .. وخطّطوا لقتل النبيّ محمد (ص) ، فبلغ خبر المؤامرة عمّه أبا طالب (رض) ، فانتفض أبو طالب ضدّ المؤامرة ، وأعلن موقفه الصارم إلى جنب محمد (ص) ، واستعداده غير المحدود للدفاع عنه ، فتراجعت قريش ، لتتخذ قراراً آخر ضدّ محـمد (ص) وأعمامه بني هاشم ، وفي مقدّمتهم أبو طالب .. لقد اتُّخِذَ قرار الحصار لتطويق الدعوة ، والحدِّ من حركة النبيّ محمد (ص) ، فتعاهدوا على ذلك ، ودوّنوا قرار الحصار والعهد في صحيفة ، وعلّقوها في جوف الكعبة .. وبدأ الحصار في شهر محرّم الحرام في سنة سبع من البعثة النبوية .
وتحدّث المؤرِّخ الاسلامي الشهير اليعقـوبي عن حادثة الحصـار ، وما أصاب محمداً (ص) وخديجة ، وأبا طالب ، ومعهم بنو هاشم ، وبنو المطّلب ، تحدّث عنها بقوله : (فلمّا علمت قريش أ نّهم لا يقدرون على قتل رسول الله (ص) ، وأنّ أبا طالب لا يُسلمه ، وسمعت بهذا من قول أبي طالب ، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة ، ألاّ يُبايعوا أحداً من بني هاشم ، ولا يُناكحوهم ، ولا يُعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمداً ، فيقتلوه . وتعاقدوا على ذلك ، وتعاهدوا ، وختموا على الصحيفة بثمانين خاتماً ، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار ، فشُلّت يده . ثمّ حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم ، وبني المطّلب بن عبد مناف في الشِّـعب ، الذي يُقال له شِـعب بني هاشم ، بعد ست سـنين من مبعثه . فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطّلب في الشِّعب ، ثلاث سنين ، حتى أنفق رسول الله ماله ، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها ، وصاروا إلى حدِّ الضرّ والفاقة . ثمّ نزل جبرئيل على رسول الله ، فقال : انّ الله بعث الأرضة على صحيفة قريش، فأكلت كل ما فيها من قطيعة وظلم إلاّ المواضع التي فيها ذكر الله . فخبر رسول الله أبا طالب بذلك ...) (59) .
وهكذا دخلت خديجة الشِّعب مع زوجها النبيّ ، لتعيش محنة الحصار وتشاطر المؤمنين قساوة العيش ، والضغوط النفسية ، والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، فتنفق كل ما لديها من مال وثروة كبيرة قدّر المؤرِّخون تجارتها في بعض الأعوام بأنّها تعادل تجارة قريش كلّها .
أنفقت خديجة كل ذلك المال حتى أصبحت تعيش تحت وطأة الجوع والضرّ والفاقة ، كما يقول اليعقوبي في نصِّه الآنف الذِّكر . بل وذكرت بعض المصادر التاريخية أنّ المسـلمين المحصورين في الشِّـعب قد أكلوا الخبط وأوراق الشجر، وكانت خديجة المرأة الثريّة المرفّهة ، تُشاطرهم هذا العيش ، وتعيش ذلك الجوع .
ويشعر ذوو خديجة بمحنتها وآلامها ، فيتعاطفون معها وينقلون لها الطعام سرّاً ، وتحت جنح الظلام .. فيتصدّى عُتاة قريش لهذه المساعدات ، ويحاولون منعها ..
وصف ابن الأثـير الحصار الآثم بقوله : (فأقاموا على ذلك سنتين ، أو ثلاثاً ، حتى جهـدوا ألاّ يصل إلى أحد منهم شيء إلاّ سـرّاً ، وذكروا أنّ أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد ، ومعهُ قمح يريد به عمّته خديجة ، وهي عند رسول الله (ص) في الشِّعب ، فتعلّق به ، وقال : والله لا تبرح حتى أفضحك ، فجاء أبو البختري بن هشام ، فقال : ما لكَ وله عنده طعام لعمّته ، أفتمنعه أن يحمله إليها ؟ خلِّ سبيله ، فأبى أبو جهل ، فنال منه ، فضربه أبو البختري بلحى جمل ، فشجّه ووطئه وطأً شديداً ، وحمزة ينظر إليهم ، وهم يكرهون أن يبلغ النبيّ (ص) ذلك ، فيشمت بهم هو والمسلمون .
ورسول الله (ص)يدعو الناس سرّاً وجهراً،والوحي متتابع إليه.فبقوا كذلك ثلاث سنين)(60).
وهكذا تعيش خديجة ثلاث سنوات في شِعب الحصار إلى جنب رسول الله (ص) ، تواسيه بمالها ونفسها ، زوجة وفيّة مُخلصة .. لقد أحبّت رسول الله (ص) صادقة وفيّة ، وآمنت به ، وبذلت مالها في سبيل الدعوة من قبل ..
لقد كان أنصار الدعوة ثلاثة : أبا طالب الذي وفّر الحماية الاجتماعية للدعوة ، وخديجة التي وفّرت المال لنصرة محمد (ص) ، ثمّ سبق عليّ الذي خاض الحروب كلّها .. فانتصر الاسلام بسبق عليّ ومال خديجة وحماية أبي طالب .. واُولئك أنصار النبيّ محمد (ص) في المحنة ، وعونه في ساعات العسرة الرهيبة .
إنّ جهاد خديجة ووفاءها وتحمّلها ، لهو درس للمرأة التي تعي قيمتها ودورها في الحياة ، لقد عاشـت خديجة من أجل المبادئ ، وماتت من أجلها .. فكانت مثال المرأة المسـلمة ، وقدوتها في الحياة .. وموقع خديجة في الدعوة وتاريخ الاسلام وحياة النبيّ محمد (ص) توضِّح لنا بجلاء قيمة المرأة في الاسلام ، ودورها في بناء المجتمع ، ومشاركتها الرجل في تحمّل المسؤوليات الكُبرى في الحياة .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:59 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions Inc.