|
رد: ،، شاعرين في العصر الجاهلي سميا بالمرقشين ،،
إن الخليط أجدَّ البين فانْفَرقا * وعُلِّق القلب من أسماء ما علقا
وفارقتك بِرَهْنٍ لا فكاك له * يومَ الوداع فأمسى الرَّهْنُ قد غَلِقا
وأخلفتك ابنة البكري ما وعدتْ * فأصبح الحبلُ منها، واهناً خلقا
فما الذي أتى بها في قصيدة قيلت في فاطمة ؟ والمرقش الأكبر أحقُّ بها وهو الذي اكتوى بفراقها، ولِمَ لا يكون المرقش الأكبر قد حدَّث ابن عمه جناب ابن عوف بحبه لأسماء، فأفسد عليه حبَّه، وحال بينه وبين زواجه منها بعدما أصبحا على كل لسان، وكان أقسم له ألاّ يبوح بسرّه فنكث بعهده، ليغمر صاحبه بذاك الحزن الذي عضَّ فيه على إصبع الندم كناية عن أسفه وبوحه بسرّه له، وليس كما تذهب الروايات إلى أنه قطع إصبعه من شدة ندمه وكان البيت الذي يذكر فيه أن جناباً أصبح وكأن تاج آل محرِّق على رأسه وراء تلفيق قصة فاطمة بنت المنذر، بعد أن توافر لهم الاسم، وتاج آل محرق وهو إنما أراد أن يقول بأنه لا يستحيي من فعلته، ولا يطأطئ رأسه خجلاً مما ألحقه به من أذى، بينما كان الحياء والخجل والأسف وراء طأطأة رأس المرقش الذي أصبح يسير بين الناس، ورأسه في التراب، وإذا كان أخطأ في كشف سرّه فلامه الناس على ذلك، فإن الآخر كان أشد خطأ، ولكن لا أحد يلومه .
وثمة أمرٌ آخر وهو أن طرفة بن العبد يشير إلى أن حبَّ أسماء ذهب بعقل المرقش حتى أودى به :
كما أحرزتْ أسماءُ قلب مرقِّشٍ * بحب كلمع البرق لاحت مخايلهْ
وأنكح أسماءَ المراديَّ يبتغي * بذلك، عوف أن تُصَابَ مقاتلهْ
فلما رأى أنْ لا قرارَ يُقِرُّهُ * وأن هوى أسماء لا بدَّ قاتلهْ
ترحل من أرض العراق مرقِّشٌ * على طربٍ، تهوي سراعاً رواحلهْ
إلى السَّرْوِ، أرضٌ ساقه نحوها الهوى * ولو يَدْر أنَّ الموتَ بالسرو غائِلُهْ
فغودر بالفَرْدَيْنِ : أرضٍ نطيةٍ * مسيرةَ شهرٍ دائبٍ لا يواكِلُهْ
فيالك من ذي حاجةٍ حيل دونها * وما كلُّ ما يهوى امرؤٌ هو نائِلُهْ
فوجدي بسلمى مثل وجد مرقِّشٍ * بأسماء إذ لا تستفيقُ عُواذِلُهْ
قضى نحْبَهُ، وجداً عليها مرّقشٌ * وعلّقتُ من سلمى خبالاً أما طِلُهْ
لعمري لموتٌ لا عقوبة، بعدَهُ * لذي البثِّ أشفى من هوىً يزايلُهْ
فطرفة يستلهم قصة مرقش شعراً، وهي تلتقي في كثيرٍ من معانيها مع ما يذكره المرقش في خطابه لفاطمة، و تصميمه على اللحاق بها أينما حلت أو رحلت، ومهما باعدت بينهما المسافات، وإنَّ ما يميز قصيدة المرقش ليس المقدمة الغزلية، وحديثه عن ابنة ا لبكري فحسب، وإنما الشق الثاني منها، وهو رحلة الظعائن في اكتمالها وجماليتها، وهي تذكر برحلة زهير في المعلقة مما يشير إلى إفادته من رحلة المرقش، فقد تناصتا في الأسلوب، والألفاظ والمعاني، في حين لم تكن الرحلة الذاتية في اتباع ابنة البكري مثلها، وكان الشاعر في عجلة من أمره للوصول إلى فاطمة، وإن دلَّ ذلك على شيء إنما يدل على صدق تجربته الشعرية التي صدرت عن معاناة حقيقية للشاعر المفارق وبهذا يكون المرقش من أوائل الذين أسسوا لرحلة الظعائن بالشكل الذي نراه عند الشعراء اللاحقين .
ولنا أن نلاحظ أن المرقش الأصغر لم يذكر ابنة عجلان باسمها هند، ولم يقصَّ علينا أية مغامرة من مغامراته التي تحدث عنها الرواة، وإنما كان حزيناً على فراقها حزن حبيبٍ عفيف النفس يرى في حبيبته أجمل الخلال والأوصاف ويأرق لبعدها، وزيارة خيالها له، وهو ما أشار إليه طرفة في قصيدته "بحبٍ كلمع البرق لاحت مخايله" موافقاً به قول مرقّش : "أرقني الليلَ برق ناصبٌ" كما أشار إلى انتقام والد أسماء من مرقّش بقوله : "وأنكح أسماء المرادي يبتغي… أن تصاب مقاتله" أي أن يصيب مرقشاً في مقتله، كما أشار إلى لائميه وعواذله، مما يجعلنا نفكّر في دلالة ابنة عجلان في أن تكون رمزاً
لعجلة عوف في زواجها، وعجلته في الرحيل عن قومه، فرمز له الشاعر بلقب عجلان وهو ما تؤكده قصيدته في بقايا ديار ابنة عجلان ورحيلهم عنها، ولو كانت ابنة عجلان خادمة لفاطمة لما كان لها بقايا ديار كانت تسكنه، ثم ارتحلت عنها ليقول لها الشاعر :
يا ابنة عجلان ما أصبرني * على خطوبٍ كنحتٍ بالقدومْ
ثم يقول :
وللفتى غائلٌ يغولُهُ * يا ابنة عجلانَ من وقع الحتومْ
فضلاً عن أنها تلتقي مع قصيدته التي خاطب بها فاطمة، وتبعها هائماً على وجهه، وقد ختمت القصيدتان بحكمة تحمل المعاني نفسها، وكانهما تتحدثان عن موضوع واحد، لا يمكن الفصل فيهما بين ثلاثة أسماء، (ابنة عجلان وابنة البكري، وفاطمة ) أسماء لشخصية واحدة قصدها الشاعر، وتحدث عنهن بمعانٍ وألفاظ شبه موحدة ؛ حتى إن القدامى خلطوا بينهم في بعض الأحيان كقول محمد بن دواد الجراح المتوفى سنة 269هـ : "وكانت صاحبة الأول اسماء، وصاحبة الثاني فاطمة بنت عجلان."
ألا يدفعنا كل هذا إلى القول بأن المرقشين هما مرقش واحد ؟
توقيع : هيام1
قطرة الماء تثقب الحجر ، لا بالعنف ولكن بدوام التنقيط.
زهرة الشرق
|