عرض مشاركة واحدة
قديم 22-08-11, 01:02 AM   #3
 
الصورة الرمزية سلام العبيدى

سلام العبيدى
مشرف حدائق بابل

رقم العضوية : 5500
تاريخ التسجيل : Oct 2006
عدد المشاركات : 4,598
عدد النقاط : 51

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ سلام العبيدى
رد: حره تروي حكايتها في سجون الاحتلال وزنازين المالكي


ثم أدخلتني إلى زنزانة تحوي أثنين من النساء العراقيات المعتقلات فأدهشني وأرعبني، مثلما أسعدني في ذات الوقت وجودهن!
كانت السيدتين من مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار، وكان حالهن يدمي القلب، فقد بدت عليهن مظاهر الانكسار والذل أكثر مني، بل كان في وجوههن رغبة الموت، لم ينطقن بها، لكن نظراتهن فضحت ما بداخلهن!
أبقوني في تلك الزنزانة حتى مغرب ذلك اليوم المشؤوم حيث أطل ذلك المترجم العميل (كرار) برأسه من فتحة صغيرة في باب الزنزانة وأخذ ينادي تارة (يقين) وتارة (أمنية)، وكان يضع على رأسه عصابة سوداء، فقال لي هل تعرفين معنى هذه العصابة على رأسي، فقلت له بسخرية، لم يحصل لي شرف التعرف إلى معانيها، فرد علي بحزم أنها (شدة الحمزة)، والحمزة الذي كان يتحدث عنه يقصد به عم الرسول، صلى الله عليه وسلم، وسيد الشهداء، فقلت له، لكن ما أعلمه أن الحمزة لم يكن عميلاً ولا خائناً ولا جاسوساً ولا يتفرج على الأميركان وهم ينتهكون عرض المسلمات أمام عينيه، فرد عليّ بلهجة غاضبة، أيتها الإرهابية سترين ما سيفعله الأميركان بك! فقلت له والخوف ينتابني من كلماته، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا! ثم غادر بعد ذلك، فهمست في أذني إحدى الفلوجيات قائلة لي، لا تخافي إنه يستفزك فقط، مثلما كان يفعل معنا، إنه خادم لهم وجاسوس وضيع فلا تبتئسي..
كان هدوءاً غريباً في تلك الزنزانة وما حولها حتى قطعت ذلك الهدوء أصوات موسيقى الروك، الذي بدأ مع آذان المغرب وأستمر حتى ساعات الصباح الأولى، كان صوتاً قبيحاً يصم الآذان، ترافقه ضحكات وقهقهات عالية، حتى أنني كنت أرفع من صوتي كثيراً حينما أريد التحدث مع إحدى المعتقلات اللواتي كن بجانبي، وكانت تلك كانت إحدى أساليب الحرب النفسية التي كانوا يستخدمونها معنا.. كانت إحدى المعتقلات الفلوجيات تنهار حينما تسمع هذه الأصوات الموسيقية المرعبة، فتأخذ في البكاء والعويل فيما نقوم أنا وزميلتها الأخرى بتهدئتها والدعاء لها!
بعد ذلك حاولت معرفة مكان وجودي، حيث لم تكن المعتقلتين من الفلوجة يعرفن أين نحن، فقررت معرفة ذلك، حيث طلبت من مجندة أميركية، كانت تتولى أمر الزنزانة التي نحن فيها، أخذي إلى الحمام، فأخذتني بعد أن وضعت الكلبجات في يدي وقادتني بهدوء إلى حيث الحمام.. بعد خروجي من الحمام سألتها أن تعطيني سيجارة، وادّعيت بأنني مدمنة على السجائر، فأكدت لي أنه لا يسمح بالتدخين داخل الزنازين فرجوتها أن تسمح لي بتدخين سيجارة واحدة، وكان هدفي إطالة الحديث معها لمعرفة هوية المكان الذي كنت معتقلة فيه، فأخرجتني إلى حديقة خلفية، فوقفنا خلف تلك البناية التي كانت تحوي زنزانتنا، وأخرجت تلك المجندة إحدى يداي من الكلبجات ووضعت بدلاً منها يدها هي، خوفاً من محاولة هروب قد أقوم بها، وأعادت إغلاق الكلبجات بإحكام، ثم ناولتني سيجارة، بعد أن أشعلتها لي.. أخذ السعال يتصاعد عندي مع أول سحبة دخان من تلك السيكارة، فاكتشفت تلك المجندة حينها أنني لست مدخنة فراحت تضحك، فسألتني عن سبب اعتقالي..
أخذت أحدثها عن قصتي وعدم معرفتي بالسبب الذي جعلهم يعتقلونني، لم تكن لكنتها أميركية، فقد كانت الإنكليزية التي تتحدث بها لغة ثانوية على ما يبدو، سألتها عن جنسيتها الأصلية فقالت بأنها أميركية جنوبية واكتفت بذلك، لكنها أضافت أن عملها في الجيش الأميركي جاء من أجل الحصول على الجنسية، وأنه يُشترط عليها تأدية الخدمة في العراق حتى تنالها، حينها استغليت اندماجها واسترسالها في الحديث لأسالها عن هوية المكان الذي كنا فيه، فقالت لي أنها (مدينة صدام)، فاستغربت لأن ما حولي لا يوحي بأنها ما يسمونها (الثورة) فقد ظننت أنها تقصد (منطقة الثورة) والتي كانت تسمى (مدينة صدام) قبل فترة الاحتلال، فراحت تضحك وهي تصحح لي معلوماتي وفهمي المغلوط، مشيرة إلى أنها تقصد المنطقة الخضراء التي كان يقيم فيها الرئيس صدام حسين، فعرفت حينها أن معتقلي هو في المنطقة الخضراء!
وفي اليوم التالي وفي وقت مبكر من ذلك الصباح نادت عليّ تلك المجندة ذات الأصل العراقي كما تدعي، ثم أدخلتني إلى غرفة أخرى كان فيها أميركياً، يحمل رتبة لا أعرف دلالاتها أو نوعها، فأخذ يوجه لي أسئلة جديدة، وكان الاتهام الرئيس لي هو، أن لديهم معلومات كشف عنها أحد أقاربي الذي يسكن مدينة سامراء، بحسب قولهم، يؤكد فيها إنني على اتصال بالمجاهدين، وإنني انتمي إلى تنظيم القاعدة، وأن زوجي أميراً لمجموعة جهادية تحاربهم، بحسب معلومات ذلك الشخص السامرائي، الذي رفض الضابط الأميركي الذي يحقق معي الكشف عن أسمه، قبل أن أكتشفه فيما بعد بنفسي، ثم فرش الضابط أمامي على المنضدة التي كانت أمامه خارطة لأحياء بغداد في جانب الكرخ طالباً مني الإشارة إلى الأحياء التي يتواجد فيها أعضاء تنظيم القاعدة، فأخذ في البداية يشير بأصبع يده إلى أحياء الدورة والعمل الشعبي والإسكان والغزالية وهو يقول، نحن نعلم أن هذه المناطق يتواجد فيها (الإرهاب)، لكننا نريد منك أن تحددي لنا الأحياء السرية الأخرى التي يتواجدون فيها!
في البداية ضحكت من سؤاله هذا، واستفزني طلبه الذي يوحي وكأنني بالفعل على إطلاع بالعمل الجهادي، وأنني من يصدر أوامر القتال، بل أخذ يشعرني من خلال أسئلته الغريبة بأنني قيادية كبيرة في تنظيم واسع وكبير، وهو ما جعلني أضحك منهم، وعليهم بذات الوقت، لسذاجة تفكيرهم العقيم، وهم يظنون أن هذا الكم الهائل من العمليات المسلحة ضدهم، وهذا الكم الهائل من أعداد المجاهدين والمقاومين تقودهم امرأة أو من يقودها هم القاعدة.!!!
أخذت أتهكم في الإجابات واسخر منهم ومن اتهاماتهم المضحكة هذه، التي سرعان ما أضيفت لها أخرى وهي العمالة للمجاهدين والتستر عليهم، وما أحلاها من تهمة لو صدقت، ولكنني وللأسف الشديد حتى هذه التهمة كنت بريئة منها، وهو ما حزّ في نفسي في ذلك الوقت، فقلت للمحقق:
أنظر، لقد هاجمتم بلدنا، وغزوتم أرضنا، وسرقتم خيراتنا، وأهنتم رجالنا، ودنستم شرفنا، وانتهكتم أعراضنا، وقتلتم صغارنا وكبارنا، وتريدون منا أن لا نقاتلكم، والله أنني لا انتمي لأي جهة مسلحة، ولا لأي حزب أو تنظيم مسلح، سواء أكان قاعدة أو غيره، لكني وحالما سأخرج من هنا سأنتمي إلى أكثر الفصائل حرباً لكم، ما دامت تدافع عنا وتحمينا منكم.. وهنا أخذ المحقق يضحك بسخرية، محاولاً مد يده إلى كتفي، فأبعدتها عني، وقلت له، أنا مسلمة حرة ولن أسمح ليهودي أن يمد يده إليّ حتى لو اضطررت لقطعها!
وهنا شعر بالغضب، وجنّ جنونه، وضرب الطاولة الخشبية بقوة، وركل بقدمه كرسي كان فارغاً بجواره، وأخذ ينادي بصوت مرتفع على تلك المجندة الأميركية التي تدعي أنها (تميمية) طالباً منها أخذي وعزلي لوحدي ومنع الطعام والشراب عني!
اقتادتني تلك المتأمركة المتصهينة إلى مكان آخر وهي تتمتم قائلة، أنها البداية فقط، ولن نتركك حتى نمرغ أنفك بالتراب، كانت تتحدث بصيغة المجموع، بل كانت تحمل حقداً يفوق حقد المحتل نفسه على أبناء جلدتي!
توجهت بي تلك اليهودية الأصل والعربية الكلام، بعدما أساءت معاملتي كثيراً أثناء الطريق، إلى زنزانة صغيرة جداً، ضيقة ومظلمة، يخترقها ضوء خافت مصدره نافذة صغيرة تم إغلاقها بقطع إسمنتية تتخللها فتحات صغيرة ينساب منها جزء يسير من الضوء لينير بعض أجزاء ذلك القبر الدنيوي الذي وضعوني فيه، والذي كانوا يسمونه محجراً! وقطعوا عني الماء والطعام، إلى جانب منعي من الخروج إلى الحمام، فأصبح محجري هو مكان قضاء حاجتي..
شعرت بالرعب الشديد لكنني استعنت حينها بالله، وأخذت أكثر من الصلاة وكنت أتوضأ من خلال التيمم عن طريق المسح على الحائط باليدين، وأكثرت من الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، لينقذني الله من بين أيديهم ويمنع عني شرهم..
أثناء ذلك لم استطع النوم ولو لساعة واحدة في تلك الليالي، نتيجة صوت موسيقى الروك الصاخبة المدوية التي كانت تهز أركان وجدران الزنازين طيلة الليل، إضافة إلى صرخات السيدة الفلوجية التي كانوا يكثرون من التحقيق معها، مثلما كانوا يكثرون من اغتصابها في تلك الليالي التي لن أنساها ما دمت حية، فكنت أميز صوت تلك الفلوجية المسكينة من بين كثير من الأصوات المتداخلة وهي تصرخ وتطلب النجدة والعون من هول ما تتعرض له من تعذيب واغتصاب، فترد إليها الجدران صدى صوتها دون أن يكون للحرة من مجيب!
وفي اليوم الثالث، ووسط كم الأحزان الذي كان بداخلي، جاءني جندي أميركي بزجاجة ماء بلاستيكية، وإناء فيه قليل من الشوربة، فضلاً عن قطعة بسكويت، ليخبرني، بعد أن رمى الطعام أمامي، بأنه يتوجب عليّ الاستعداد لأنه سيتم نقلي إلى سجون وزارة الداخلية العراقية!
حينها أدركت أن أيام عصبية تنتظرني، وأن القادم من الأيام سيكون أكثر سوءاً، وأن القدر يخبئ لي ما سيشيب لوقعه الولدان، وأن المعتصم الذي كنت أنتظر أن يلبي نداء صرختي لن يأتي.. حينها فقط أدركت أن المعتصم قد مات!

منقوووول


توقيع : سلام العبيدى
زهرة الشرق
zahrah.com

سلام العبيدى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس