|
رد: برديات ... الكاتب محمد سلماوى
قال قائد الجيش لتحتمس: «أمامنا طريقان لا ثالث لهما. الأول يمكننا من الالتفاف حول الجبال من الشمال والثانى يمكنا من الالتفاف حولها من الجنوب، فأيهما ترغب أن نسلك؟» لم يعجب تحتمس أى من الخيارين فكل منهما طريق طويل سيعطى لقوات قادش الوقت أن تستعد للمواجهة. رد القائد على تحتمس: «لكن قواتنا أقوى وأكبر من قواتهم وسنتمكن عند المواجهة من الانتصار عليهم».
قال له تحتمس: «وما أدراك أننا إذا سلكنا طريق الشمال فإن العدو لن يرسل من القوات من يتعقبنا من الجنوب وهكذا يحوطنا من الجانبين فنحارب فى الشمال والجنوب معا؟ أليس هناك طريق ثالث؟» قال قائد الجيش بعد لحظة تفكير: «يمكننا أن نصعد الجبل، لكن طريق الالتفاف حول الجبل هو الأكثر أمانا». فلم يقتنع تحتمس بذلك واتهم قائده بالجبن قائلا: «نحن لم نأت للحرب بحثا عن الأمان إنما جئنا لتحقيق النصر، والنصر لا يتحقق إلا بالجرأة والإقدام».
سكت قائد الجيش ولم يجب وساد الصمت بين الحضور فى مجلس الحرب هذا إلى أن قال تحتمس: «لن نتخذ أيا من هذين الطريقين الطويلين. سأتدبر الأمر هذه الليلة وفى الصباح أقول لكم ما نحن فاعلون».
فى تلك الليلة لم ينم تحتمس. خرج مع عدد قليل من أعوانه يتفقد المكان حتى وجد ممرا ضيقا وسط الجبال يفضى إلى الجانب الآخر، فقرر أن يكون هو طريق العبور إلى قوات العدو المتمركزة خلف الجبال.
أمضى تحتمس الليل يضع خطته العسكرية، وفى الصباح أطلع القوات عليها، فقال له قائد الجيش: «لكنه طريق ضيق للغاية لا يمكن أن تمر منه قواتنا إلا فردا فردا وجوادا جوادا» فرد عليه تحتمس: «وهذا هو ما سنفعله، أولا لأن العدو لن يتصور أننا سنعبر من مثل هذا الطريق، وثانيا لأن ذلك سيعطينا الفرصة كى نتسرب من الخلف إلى صفوف العدو فنواجهه قبل أن يعد عدته للقتال».
ومن خلال تلك الخطة المبتكرة تمكن فرعون مصر العظيم من هزيمة قوات قادش التى فوجئت بالجيش المصرى ينقض عليها من أضعف نقاط استحكاماتها، فمن هذا المضيق تجمعت القوات المصرية خلف إحدى هضاب الجبل إلى أن اكتمل عددها فصعدت الهضبة ومن هناك انهمرت كالشلال الهادر على قوات العدو التى فر أفرادها إلى مدينة مجيدو هربا من جيش تحتمس المارد الجبار.
وحسب ما دونه المؤرخ العسكرى تانوتى فقد وقعت المعركة فيما يوافق يوم ٩ مايو عام ١٤٥٧ قبل الميلاد، وقام تحتمس بعد ذلك بحصار مدينة مجيدو ثمانية أشهر كاملة حتى استسلمت بلا قيد ولا شرط فدخلتها القوات المصرية فى بداية تأسيسها لإمبراطورية امتدت إلى سائر المدن المجاورة وغير المجاورة فتغيرت خريطة العالم بعد أن خضعت معظم ممالكه لقوة تحتمس العسكرية المرهبة.
وقد دون تانوتى أن تحتمس ابتكر وسائل وحيلا جديدة فى حروبه فكان يجعل أفراد قواته يحملون معهم المراكب عبر الصحراء كى يعبروا بها الأنهار التى يلاقونها فى الوديان. كان هذا هو ما حدث فى الحملة الثامنة حين عبرت القوات المصرية تحت قيادته نهر الفرات لأول مرة فى تاريخ مصر القديمة وأخضعت مملكة ميتانى فى منطقة ما بين النهرين.
وقد صاحب عهد تحتمس الكثير من الازدهار المعمارى أيضا فتم إنشاء أعداد كبيرة من المعابد كما انتشر فى عهده استخدام الأكواب والأوانى الزجاجية التى لم تكن معروفة قبل عهد الأسرة الثامنة عشرة.
وإذا كانت مدينة روما تفخر الآن بين عواصم العالم بأن أطول المسلات الفرعونية جميعا تزين أحد ميادينها، فإن تلك هى مسلة تحتمس الثالث التى عرفها المصريون القدماء باسم «تخن واتى» أى «المسلة الوحيدة» لأنها كانت معدة كى تقف وحدها دون أن تجاورها مسلة ثانية على جانبى المعابد، تماما كما يقف اليوم صاحبها وحده كأعظم الفاتحين من فراعين مصر القديمة.
وفى بردية قديمة نجد الشاعر المصرى المجهول يصف عهد تحتمس الثالث فيقول :
اجلس وتحدث وأنت مرتاح البال
اخرج للنزهة فى الطريق الطويل
لقد زال الخوف من قلوب الرجال
لن نسمع اليوم من ينادى ليلا:
«حذار! فقد حضر من يتكلم غير لغة البلاد!»
الآن يروح الناس ويغدون وهم يغنون
لم تعد هناك شكوى ولا أنين
فمن يفلح الأرض هو الذى يأكل حصادها
بعد أن قهر الملك أعداءه فى الشرق والغرب
بلاد خاتى أخضعت وكذلك كنعان
وجزر خنعم دمرت وأزيلت عسقلان
ودولة ميتانى أقفرت
ولم يعد لذريتها بنين ولا بنات.
وقد كان لتحتمس الثالث ابنان أكبرهما أمنمحات لكن الابن الأصغر أمنحوتب كان هو الذى يسعى إلى الحكم بدعم من أمه مرترى- حتشبسوت التى كانت تعمل جاهدة على أن يؤول الحكم لابنها هى وليس للابن الأكبر الذى كان من زوجة تحتمس الأولى ساتيا. لم يكن أمنحوتب عسكريا مثل والده لكنه تربى فى القصر واختلط برجال السياسة والجيش وبكهنة معبد آمون فوجد بين يديه كل أدوات الحكم.
وقد وصل طموح الابن إلى درجة أنه لم يشأ الانتظار حتى وفاة والده كى يتولى الحكم فأصبح يشارك تحتمس حكم البلاد، خاصة بعد أن أزاح الموت أخاه الأكبر الذى كان يمثل العقبة الرئيسية أمام وصوله للعرش.
كان تحتمس فى ذلك الوقت قد هرم وضعفت قواه فزاد نفوذ أمنحوتب وصارت كلمته فى البلاط تضارع كلمة فرعون البلاد. وتلك هى الفترة التى شهدت تحطيم آثار ملكة مصر العظيمة حتشبسوت ومحو اسمها من على الجدران.
كان هدف أمنحوتب من ذلك هو تأمين وصوله للحكم بعد وفاة والده وذلك بقطع الطريق على أى منافس يمت بصلة دم للملكة السابقة التى اعتبرت رسميا كأن لم تكن. وقد احتدم الصراع بين أمنحوتب ووزير البلاط رخميرع الذى كان الرجل الثانى فى الدولة بعد تحتمس،
والذى قال عن نفسه على جدران مقبرته بالقرنة فى البر الغربى لطيبة إنه لا يجهل شيئا يحدث على الأرض أو فى السماء. كان رخميرع هو الذى يدير شؤون الدولة وهو الذى يعلن الأوامر باسم فرعون ويصدر التعليمات لحكام الأقاليم بشأن الحرث والحصاد، وقد وجد فى طموح الابن الشاب تهديدا لموقعه وانتقاصا من اختصاصاته التى دامت سنين لكنه لم يكن يظهر ذلك لفرعون فى سنه المتقدمة.
وهكذا دار صراع خفى داخل الدولة بين الحرس القديم والحرس الجديد، حيث عمد أمنحوتب لوضع أعوانه فى جميع المناصب الرسمية فى الدولة فشكل ذلك قاعدة قوة له تسانده أمام رجال والده القدامى.
وفى جدارية مقبرة رخميرع يروى الوزير العجوز بالرسوم الواقعية الأخاذة تفاصيل الاجتماع الذى كان يعقده تحتمس الثالث يوميا لرجال الدولة ليقدموا تقاريرهم عن أوضاع البلاد. لكن هذا الاجتماع توقف وأصبحت الأوامر تصدر من الابن وحده.
ففى آخر مرة عقد فيها الاجتماع صدر القرار الذى حسم مسألة صراع القوة بين جناحى البلاط حيث تم عزل رخميرع وتعيين أمنحوتب فرعونا مشاركا فى الحكم مع والده تحتمس الثالث.
وبعد سنتين فقط توفى تحتمس الثالث أعظم فراعين مصر الذى حكم البلاد نصف قرن من الزمان، عشرين عاما بالمشاركة مع حتشبسوت وثلاثين أخرى منفردا، فانطوت صفحة ناصعة وفريدة فى تاريخ مصر القديمة، آل العرش بعدها لأمنحوتب الثانى الذى لم يدم حكمه أكثر من ثلاثة عشر عاما.
وتوحى مقبرة أمنحوتب الثانى فى وادى الملوك بأنه توفى قبل الأوان لسبب أو لآخر حيث دفن فى المقبرة قبل أن تكتمل.
نصوص: محمد سلماوى
لوحات: مكرم حنين
تنشر نصوص البرديات يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع
|