|
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
المشير أحمد إسماعيل
بقلم د. مصطفي الفقي ٢/ ١٠/ ٢٠٠٨
لم يجمعني بذلك القائد العسكري العظيم إلا أسبوع النهاية، عندما كنت أعمل بالسفارة المصرية في «لندن»، ووصل الصديق «محمد أحمد إسماعيل»، الدبلوماسي الشاب، في صحبة والده المريض، بعد أن قاد القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر الظافرة.
ولقد وصل المشير إلي العاصمة البريطانية مرهقاً وقد نال منه المرض واستبد به الداء اللعين، فأُدخل علي الفور إلي مستشفي «ويلنجتون» في شمال غرب العاصمة البريطانية، علي مسافة خمس دقائق سيرًا علي الأقدام من منزلي حينذاك، وكان بصحبته أيضًا رفيقة حياته والدتنا الفاضلة السيدة «سماح شلقاني».
ولقد استقبله في مطار «هيثرو» السفير المصري الفريق «سعد الدين الشاذلي» وقد كان ذلك هو واجبه الوظيفي والتزامه العسكري، برغم ما كان بين الرجلين من ود مفقود، بل وعداء معروف، وتعود علاقتي بالصديق «محمد إسماعيل» إلي عدة سنوات قبل ذلك.
وهو بالمناسبة دبلوماسي هادئ ونابه، اختتم حياته الوظيفية مساعدًا لوزير الخارجية، بعد أن كان سفيرًا مرموقًا لمصر بالعاصمة السورية، كما أنه صاحب دور مهم عشية الخامس عشر من مايو ١٩٧١، فهو الذي أدخل والده الراحل إلي مبني المخابرات العامة، التي كان يعمل فيها الابن.
وكان من الصعب دخول الرئيس الجديد لذلك الجهاز العريق فجأة ودون مقدمات، إلا إذا تم الأمر بالصورة التي حدثت، وهي أن يصطحب الابن أباه في سيارته في الصباح الباكر إلي مكتب رئيس الجهاز ليباشر مهام منصبه الجديد دون صدام محتمل أو مشاكل متوقعة، ويبدو أن ذلك التخطيط العبقري لعملية الاقتحام السلسة، في ظل ظروف ذلك الوقت العصيب، كانت واحدة من نتاج فكر «السادات» ودهائه الفطري، ولقد كان ارتباط الابن بأبيه قوياً وعميقاً، لذلك كانت عاطفة «محمد إسماعيل» تجاه والده شديدة وتأثره بمرضه كبيراً.
ولحسن الحظ أن المشير «أحمد إسماعيل» لم يفقد وعيه إلا ما قبل وفاته بساعات قليلة، بل كان مبتسماً هادئاً طوال الأيام التي زرته فيها، وكان يسألني دائماً: ما هي أخبارك مع السفير «سعد الشاذلي»؟ وأعترف هنا بأنه كان يتحدث عنه باحترام، رغم أنه كان واضحاً لي أن تاريخ العلاقة بينهما لم يكن طيباً في مجمله، رغم أنهما عملا معاً في أهم مرحلة في تاريخ مصر الحديث، وهي مرحلة صنع انتصار أكتوبر العظيم.
كما كان الرجل يتحدث عن مصر وأمله في العودة إلي عمله وتحمل مسؤولياته ومشاركة الرئيس الراحل «السادات» خطواته التي أعقبت عمليتي فك الاشتباك علي الجبهة المصرية، وذات صباح اتصل بي صديقي «محمد أحمد إسماعيل» وقال لي إن والده يتنفس بصعوبة وإن صدره يرتفع ويهبط بشدة.
عندئذ شعرت بدنو الأجل وبأن ساعة الرحيل قد اقتربت، فذهبنا إليه في المستشفي وكان معنا زميلنا الثالث الدبلوماسي في السفارة «محمد أنيس»، وهو صديق قريب أيضاً إلي زميلنا ابن المشير وعندما صعدت روح القائد العظيم إلي بارئها احتشد العشرات من السفارة والمكتب العسكري والجالية المصرية.
وانعكست المأساة علي وجه الأرملة الصامدة التي لم تتوقف دموعها لحظة واحدة، خصوصاً أنها شهدت إلي جوار زوجها لحظات الانكسار والانتصار، فالمعروف أن اللواء «أحمد إسماعيل» قد شغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية عقب استشهاد الفريق «عبدالمنعم رياض».
ثم ترك موقعه بعد حادث سرقة الرادار الشهيرة، ويومها ظلمته صحيفة «الأهرام» وكتبت أن اختيار اللواء «أحمد إسماعيل» لرئاسة الأركان كان قراراً متعجلاً، لأن الرجل أمضي جزءاً كبيراً من حياته في إدارة النقل بالقوات المسلحة!
وأتذكر يومها أن التعليق لم يعجبني، لأنني كنت أعرف جدية الرجل وأدرك أن ملابسات سرقة الرادار كانت حادثاً عابراً لا يقاس عليه، حتي إن أحد زملاء دفعتي كان مجنداً في الوحدة العسكرية المسؤولة عن ذلك الجهاز، وأصدرت المحكمة العسكرية حكماً بإعدامه هو وعدد من زملائه وأقمنا الدنيا ولم نقعدها حينذاك، حتي تم تخفيف الحكم إلي السجن، وأعني بذلك زميلي الفاضل الأستاذ «مدحت أيوب»..
تلك شهادة للتاريخ أقولها وأنا أتذكر تلك الأيام القليلة التي قضيتها إلي جوار فراش مرض ابن مصر البار المشير «أحمد إسماعيل»، ولحسن حظي فإن علاقتي لاتزال متواصلة مع صديقي المعروف بدماثة الخلق ونقاء القلب، السفير «محمد أحمد إسماعيل» ووالدته الفاضلة، التي أعمل نائباً لها في رئاستها لجمعية مرضي السرطان وأتشرف بعملها معي في مجلس إدارة جمعية الصداقة المصرية النمساوية، وقد كرست سنوات عمرها الباقية في خدمة المشروعات الخيرية في صمت وهدوء..
رحم الله واحداً من أبطال مصر.. إنه قائد القوات المسلحة في حرب العبور العظيم يوم السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣
شمس بدران
بقلم د.مصطفى الفقى ٢٥/ ٩/ ٢٠٠٨
كان يبدو كالشخصية الأسطورية الغامضة بحكم ارتباطه بالمشير «عبدالحكيم عامر» النائب الأول لرئيس الجمهورية، ونائب القائد الأعلي للقوات المسلحة، بل إن العقيد «شمس بدران» انفرد أيضاً من بين رجال المشير بقربه من الرئيس «جمال عبدالناصر» حتي إن البعض قد بلغ به الشطط فاعتبر أن «شمس بدران» كان عيناً «لعبدالناصر» علي «عامر»،
لذلك تم تعيينه وزيراً للحربية متجاوزاً مئات الأقدميات باعتبار ذلك تعييناً سياسياً لا يخضع لقواعد روتينية، وكان «شمس بدران» ذا شخصية مهابة يتمتع بنفوذ واسع داخل القوات المسلحة والمكاتب الرئاسية في الدولة حتي بدأت تنسج حوله القصص ويتحدث العامة عن دوره باعتباره واحداً من أكبر مراكز القوي مع منتصف ستينيات القرن الماضي عندما كان العصر الناصري يتجه بسرعة نحو حالة الارتباك التي مهدت لهزيمة يونيو ١٩٦٧،
ونحن نتذكر الزيارة الشهيرة لوزير الحربية المصري «شمس بدران» إلي «موسكو» لاستطلاع رأي السوفيت في دورهم المنتظر إذا نشبت الحرب في الشرق الأوسط عندما عاد ذلك المسؤول المصري الكبير بانطباع تشكل لديه ولدي أعضاء الوفد بأن الاتحاد السوفيتي السابق سوف يحارب جنباً إلي جنب مع القوات المسلحة المصرية لو تعرضت لعدوان إسرائيلي، وأن الروس لن يبخلوا بأي دعم عسكري أو «لوجيستي» تحتاجه مصر في مواجهتها مع إسرائيل،
ولقد اتضح بعد ذلك أن الانطباع لم يكن صحيحاً وأن الموقف لم يكن واضحاً للطرفين بالشكل المطلوب! وقد جمعتني بالسيد «شمس بدران» عدة مناسبات في العاصمة البريطانية عندما غادر مصر في إطار صفقة سياسية يتفادي هو فيها التقديم للمحاكمة علي أن يغادر البلاد وأن يلزم الصمت، وقيل إن الرئيس «السادات» نفسه قد وافق علي هذه المعادلة لأن «شمس بدران» كان يعرف الكثير وفي جعبته ما هو أكثر،
كما أن خزانته تضم من الأحاديث ما يكفي لابتزاز بعض القيادات إذا لزم الأمر، ويكفي أن نتذكر أن مكانة «شمس بدران» لدي المشير «عبدالحكيم عامر» قد بلغت درجة رشح فيها المشير مدير مكتبه السابق «شمس بدران» لكي يكون رئيساً للجمهورية إذا انسحب «عبدالناصر» و«عامر» معاً من المسرح السياسي بحكم مسؤوليتهما عن «النكسة»، وفي كل لقاءاتي مع السيد «شمس بدران» رأيته شخصية متحفظة وهادئة.
وذات مرة كنت أقوم بتوصيله بسيارتي إلي إحدي محطات المترو الأرضي لأنه كان يسكن علي مشارف العاصمة البريطانية طلب مني تغيير مسارنا نحو المحطة المطلوبة ثلاث مرات! وقد قال لي أحد أصدقائه إن السيد «شمس بدران» كان يملأ سيارته بالوقود ذات مرة من إحدي محطات «البنزين» في العاصمة البريطانية
وخرج منها فجأة عندما لاحظ وجود بعض الأشخاص من ذوي الملامح الشرق أوسطية فلقد كان الرجل شديد الحساسية تجاه أمنه الشخصي في تلك الفترة، وكان يخشي أن يكون هناك من يتعقبه من الأجهزة المصرية أو بعض الجماعات الدينية كنوع من تصفية الحسابات معه علي سنوات السلطة المطلقة التي كان هو أحد رموزها البارزة.
وأذكر أيضاً أنه عندما قتل «علي شفيق» المدير السابق لمكتب المشير وكان ذلك في العاصمة البريطانية مع بداية النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي ـ وقد كان زوجاً للفنانة الراحلة «مها صبري» وملاكماً سابقاً إلي جانب سطوته ونفوذه الكبيرين ـ وأظن أنه قد قتل في شقته بعد مقاومة عنيفة مع شخصين قاما بزيارته واختلفا معه علي توزيع نسب العمولة في إحدي صفقات تجارة السلاح لواحدة من ميليشيات الحرب الأهلية اللبنانية، خصوصاً أنني أتذكر أن السيد «علي شفيق» كان قد قال لي بنفسه قبيل مصرعه بأيام عندما زارني في مبني السفارة إنه يقوم بإتمام «صفقة العمر»
ويريد أن يتقاعد بعدها دون أن يحدد لي ما يقصده بالضبط من ذلك، ولقد تردد حينها أن الشرطة البريطانية قد وجدت مليون جنيه إسترليني نقداً في شقته لم يتنبه إليها القاتلان اللذان أصيب أحدهما إصابة بالغة بدليل وجود دماء من غير فصيلة السيد «علي شفيق» في مسرح الجريمة.
أشير إلي ذلك كله لأنني أظن أن السيد «شمس بدران» قد انزعج لمصرع العقيد المتقاعد «علي شفيق» شريكه السابق في إدارة مكتب المشير وظن بحسه الأمني أن الجريمة قد تكون بداية لحملة تصفيات ضد بعض رموز عصر «ناصر ـ عامر»
وقد اتصل بي هاتفياً قلقاً وقال لي أريد منك إجابة واضحة هل اغتيال السيد «علي شفيق» جريمة سياسية أم جنائية؟ فأكدت له أنها ليست سياسية بالمرة، ويجب أن أعترف هنا أن السيد «شمس بدران» كان يبدو لي شخصية قوية متماسكة في كل الظروف وكانت إلي جانبه زوجة فاضلة مثقفة من بيت مصري عريق عملت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لسنوات طويلة بعد انفصالها عنه.
وقد حكي لنا السيد «شمس بدران» أن فنان الشعب الموسيقار الكبير «محمد عبدالوهاب» كان يأتيه في بعض الأمسيات ليدندن له علي العود، فتلك كانت سمة العلاقة بين أهل الفن ورجال السلطة في ذلك العصر! ولا يزال السيد «شمس بدران» يعيش في بريطانيا يلوك ذكريات العمر ويجتر أحداث الماضي ويعزف تماماً عن الحياة السياسية،
بل يوجز في حياته الاجتماعية وأعترف أنني لم أسمع منه أو عنه كثيراً علي امتداد الثلاثين عاماً الماضية.. إنه عصر ولي برموزه ولكن بقيت آثاره في حياتنا المصرية وبصماته في تاريخنا الحديث حتي الآن.
|