|
يا أهْل بغْداد السّلام
[align=center]" ما مرّ عامٌ والعراقٌ ليْس فيه جوع ْ"
السّياب
عبورٌ
ما للسّحاب تمرُّ بي عطْشي
ولمْ تُذرفْ عيوني
أوْ تبُحْ بدمي إليّْ
وعليَّ أشهْدت الرّياح الْعابِرات وقلْت:
هذا قدْرُ نفسك فاخْرجي للنَّاس ذاكرةً بلمْح الْغَيْب
ما بي؟ كُلَّما شارفْتُ نفْسي حزَّ في نفَسي الدُّخانُ
تكادُ تلْفظُني المَرَايا
ليْس عنْد النَّهْر منْ أحَدٍ يُفكِّر في أثََري وفيّْْ
إِحْمِلْ إليََّ شتاءَ قلْبك كيْ أَرَي الرِّيح البَعِيدة
وهْي تعبُرني
وتعْبر بي
فلا الأفْكارُ
لا الكلِماتُ
لا الأشْياءُ
أَمْجدَ منْ تُرابٍ
كانِساً كذِبَ الرّمادْ!
لعلّ شاهِداً يعْمي
أقعيْتُ خلْف الْبَاب أنْظرُ
أيْنَ قلْبي الآن؟ ماذا صَار بي؟
رانتْ عليَّ ذُؤابتي كم لعنةً وتفرَّقت أيْدي سبأْ
لا سور يجمَعُني عليّ، ولا غمام يكون لي نوَّارةً في
أوّل الأحزان، لا ناي شجي يمّحيني كلّ نجْمٍ
عند قارعة العماءِ، ومن عثاري الماءُ يَشْرُق بي كأنِّي منْ حَمَأْ
كمْ منْ يدٍ تُلوِّح لي بعيداً منْ صَبا السَّعفاتِ وطلْحِها
كمْ قصّةٍ أوْدي بها إيمانُها بالحُبِّ تعْلقُ بي
ونجْمٍ زلَّ عنْ درجِ النّهار
وكمْ طريقٍ لمْ تكنْ إلَّا رُسوماً منْ صديً أوْ منْ صَدأْ
كمْ مِنْ يديَّ الكوْنُ يطْلعُ هارِباً منْ عصْرهِ الدّهْريّ
ثُمّ يقولُ لي: هذا الّذي أنْسيْتِنيهِ صارَ أضْيقَ من جمادٍ
وَالَّذي أنْسَيْتُك اخْضرََّ علي يدِهِ الْجَمادْ.
نحْن في سائِر الأيّام لا نعْرف شيْئاً
ها رِحْلةٌ أُخْري إلي المَعْني
علَي بابِ الْقِيامَةِ
ها دَمي يختطُّ قبْرَ الله ثانيةً.
أري الأضدادَ في مُتناولي تتَجشَّأُ الدّنْيا
وتقْذِفُني تِباعا
فلا أحْتاجُ غيْر طُفولةٍ أُخْري لفِقْه الحرْبِِ قَسْراً
لمْ أجِدْ أحَداً لأسْأل: أيْن عُمْري الآنَ؟
أطْلب هُدْنةً مع سرْدِ مِرآتي
لأعْكفَ ليْلتَيْن علي دَمي الأقْصي
ووَعْد النَّار في تأْويل أوْرَادي
لأسْتَعيدَ خُطايَ منْ نفْسي، ويَذْكُرُني
الْغُرَابُ إلي طَريقِ النَّهْر
منْ جِهَة السَّحاب المَعْدنيّ
إِذا رَأي الأَعْمي خَرابي مُسْتطاعَا
جاهَدْتُ ،مِنْ غَبَشٍ، علَي عيْنيَّ: مَاذا بَعْد سُومَر؟
كلَّما اقْتَربتْ ثِمارُ الْحَرْثِ دلّتْني علي جَلْجامش الْعَرَباتُ
وَاسْتَشري دمي بيْن الْقَبائِل،
فالَّذين تجشَّموا السّاعاتِ منْ أَجْلي
رأيْتهمُ إلي كنْسي جِياعَا
ووقفْتُ أسْألُ عن عَصايَ الْعَابِرينَ
هُنا،
وَلا أَحدٌ يَقولُ لي الحَقيقَةََ
هلْ سِوايَ أنَا يقُول أنايَ؟
لا أحدٌ يميلُ عليَّ يُخْبِرني،
وَيَمْسح عن جَبيني ما تداعي
ماذا سيَبْقي لي إذا لمْ أَنْجُ
منْ عَثرات هذا الْعَالَم السُّفليّ؟
صارَ الْمَوْتُ خِدْني الْمَوْت
يأْخُذني نهاراً منْ يديَّ
وفي الظَّلام يدُقُّ فيّ الطَّمْيَ
حتّي غصَّ عَزْرائيل بي في الْعالمِين
فَما اسْتَطَعْتُ الصَّفْحَ عنْ ظِلِِّي
ولا ظِلّي عن الشَّمْس اسْتَطاعا.
ما بِي هُنا؟
وحْدي هنا!؟
يُعوِّدني الشِّتاءُ علي الْعُبور المُرِّ
في أَثَر الرِّياحِ السُّودِ.
زِدْني ربِّي عِلْماً بي
لأدْفَع عنْ عُيوني ما تُحبُّ
وعنْ رِضائِكَ لي الْمَتاعَا
أَنا هلْ سِوايَ أنا؟
تَقُولُ أَناي
ما بِي لا أَري حتّي عَماي يَردُُّ عنّي اللَّيْل؛
حتّي بابُ بابِل في ربِيعي الْغاصّ بِالأقْدامِ سُدَّتْ
وَالنَّدي والْوَعْد والنَّايات.
وحْدهمُ الشُّعوبيّون ينْدفِعون بِالْمَوْتي إلي بَابي
ويفْترِشون إِسْطَقْسات رُوحي في الْمَزادْ!
لا تقُصّي رؤْياك كيْفما اتّفق
منْ ألْفِ عامٍ والْحِصارُ عليًّ: تنْغل في سَحابي الحشْرَجاتُ، ويسْتريحُ علي دمي الطََّيْرُ الْعُضال،
وغيْرُ رؤْيا لي يُبدّدها تُساوِمُني
عليْها القِسْمةُ الضّيْزي بدايةَ كلِّ عامْ!
هلْ ـ يا شَهيدي الطَّيْر ـ أخْطَأْتُ الطّريقَ إلي طَريقي
واخْتلفْتُ معَ السّماءِ علي مِدادِ الله؟
مرّتْ بي، هُنا، الأشْواقُ
منْ شرْقٍ إلي غربٍ
ومنْ غرْب إلي شرقٍ
وأسْلَمتُ الفَراشَ قيادَ قلْبي،
وارْتفعْتُ إلي قدميَّ كيْ أصِل المرايَا:
لم يكنْ لفْظ الإلهيّات غيْر دمي عَبيطاً
فاضَ عنْ معني السلامْ:
يا أهْل بغْداد السّلامْ!
بالْمَاء أنْكيدو لأخْتبرَ الْمَسيرَ علي دَمي حتّي تُخوم المُنْتَهي فأُُحِقُّ رؤْيايَ اللّعينَةَ:
عنْ سمائي اللّهُ
مالَ
اللّهُ
يسْأَلُ
في الطَّريقِ
دمَ الْعِبادْ!
إستهلالٌ أخيٌر منْ ريح:
هذا هُو اسْمُكِ
فاقْبلي الإِسْم الجَريحَ علي عواهنهِ
وإنْ يكُنِ السّحابُ مبدََّداً في غيْر ما تَرْضينَ
إرْثاً مِنْ علي هُدْب المهَاري
أو علي درْج الملاحِمِ
أو علي سِكَك الحَديدْ
ما زلت تمشين الهُوَيْنا في مكانٍ ما
وأعْلمُ حجْمَ حُبِّكِ للسَّماء
يحيكُ مائيّاتِ بابِلَ في زَمانٍ ما
وما يحتاجُ وجْهُكِ من رمادٍ أوْ هباءٍ أوْ نشيدْ
حتَّي تقُولينَ الَّذي في عُزْلَتي:
لا القُوّةُ انْتَصرتْ
وهَذا اللَّيْلُ حقُّ الْعَابِرينَ
إلي الشّهَادةِ والنّفادْ!
للشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري[/align]
|