عرض مشاركة واحدة
قديم 30-09-02, 05:33 PM   #1

عبد الفتاح
كاتب متميز في زهرة الشرق

رقم العضوية : 66
تاريخ التسجيل : Jun 2002
عدد المشاركات : 90
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ عبد الفتاح
منقول عن الشاعرة سوزان عليوان


حيث لا ظلال





أجمل هديَّة في العالم



"أغمضي عينيكِ يا صغيرتي، و لا تفتحيهما إلاَّ حين أقول لك: الآن."

كانت الطفلةُ تضحكُ في خضن أبيها، تترقَّبُ هديَّتها بعينين نصف مغمضتين، فيما الأبُ يخرجُ علبة الخاتم الماسيّ من جيبه، حين باغتهما ظلَّهُ.

رجلٌ مسنٌّ في ثياب رثَّة، متَّسخة.

الشحوبُ يضيءُ وجهَهُ، و يداهُ ترتعشان مثل يديّ مايسترو خائف من أن تحطَّ العصافير على كفَّيهِ و تسرق من بين تجاعيدها أنغامه.

"ما الذي يمكنني أن أفعله لأجلك؟"، سأل الأبُ الغريبَ بريبةٍ، و هو يهدهدُ طفلتَهُ على ركبتيهِ.

لكنَّ الغريبَ الأصم، الأبكم وقف عاجزًا عن الرد أمام المائدة الفاخرة و ضحكات الأطفال و أكياس الهدايا المبعثرة بين أقدام المقاعد.

حرَّكَ يديه في الهواء بانفعال، كمن يريدُ أن يقولَ شيئًا و لسانه يخونه بهمهمات غامضة.

قبَّلَ الأبُ جبين طفلته، و قال لها و هو ينزلها برفقٍ من حضنه:

"إذهبي للعب مع رفاقك."

اقترب من الغريب. مددَّ أصابعه إلى جيبه و أخرج بعض النقود. وضعها في كفِّ الغريب، و استدار إلى حيث طفلته تلعب مع بقيَّة الأطفال، تاركًا الغريب خلفه شبحًا على وشك الإختفاء.

لم تمر ساعة حتَّى وجده أمامه ثانيةً!

"ألم تنصرف؟

لقد أعطيتك ما دخلتَ إلى هنا من أجله.

ما الذي تريده بعد؟"

ثمَّ وقعت عيناهُ الغاضبتان على كيس صغير ينتقضُ، مثل عصفورٍ ملوَّن، بين يدي الغريب المرتعشتين.

"ما هذا؟"

التقطَ الغريبُ الكيس بيدٍ واحدةٍ و أشار بالأخرى إلى الطفلة الجميلة.

كرَّر الحركة ذاتها بضعة مرَّات.

لم يفهم الأب.

لكنَّ الطفلة اقتربت من الرجل مبتسمةً و أخذت الكيس من بين يديه و فتحته.

وجدت دفترًا بديعًا، تزيِّنُ غلافه أزهار و فراشات و نجوم، و قد كتب الغريب على صفحته الأولى، بخطِّ يدٍ مرتعشة، الإهداء التالي:

"إلى أجمل طفلة في العالم:

والدك الكريم طنَّني متسوِّلاً، لكنَّني دخلتُ إلى هنا بعد أن تابعتُ حفل عيد ميلادك الرائع من خلف زجاج المطعم.

دخلتُ لأقول لك:

كل عام و أنت بخير.

هذا الدفتر من مال أبيكِ، و هذه الكلمات البسيطة من رجل مسنٍّ لا صوت له و لا بيت و لا أطفال. لكنَّهُ يملكُ قلبًا كبيرًا توَّجَكِ أميرةً على عرشه."

أغلقت الطفلةَ الدفتر، و قالت للغريب بصوتٍ مرتعش:

"شكرًا يا سيِّدي."

كانت هذه أوَّل مرَّةٍ يسمعُ فيها الغريب.

سمع كلمة "شكرًا".

سمعها بأذنيه و قلبه.

سمعها في خطواته إلى الشارع، في أصوات المارَّةِ و أبواق السيَّارات، في رفرفة العصافير التي حطَّت على كفَّيهِ لتتدفأ بحرارة دمه و وجوده.


توقيع : عبد الفتاح
عبدوووووووو

عبد الفتاح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس