عرض مشاركة واحدة
قديم 28-07-05, 04:25 AM   #1

نجم الليل22
نجم متالق بزهــرتنا

رقم العضوية : 1091
تاريخ التسجيل : Jul 2003
عدد المشاركات : 1,426
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ نجم الليل22
السياسة والعلم في الثقافة العربية


محمد عابد الجابري

الواقع أن أي تحليل لتاريخ الفكر العربي والثقافة العربية، سواء كان من منظور تاريخي أو من منظور بنيوي، سيظل ناقصاً وستكون نتائجه مضللة إذا لم يأخذ في حسابه دور السياسة في توجيه هذا الفكر وتحديد مساره ومنعرجاته. ذلك لأن الاسلام، الاسلام التاريخي الواقعي، كان في آن واحد ديناً ودولة وبما أن الفكر الذي كان حاضراً في الصراع الايديولوجي داخل الاسلام/ الدولة كان فكراً دينياً، أو على الأقل في علاقة مباشرة مع الدين، فإنه كان أيضاً، ولهذا السبب، في علاقة مباشرة مع السياسة. ليس هذا وحسب، بل إن العلاقة بين الفكر والسياسة داخل الاسلام والدولة لم تكن تتحدد بسياسة الماضي ذلك لأن سياسة (الحاضر)، سواء بالنسبة للدولة أو للمعارضة، إنما كانت تجد تبريرها في سياسة الماضي. ومن هنا ظل الماضي السياسي يعتبر على الدوام أصلاً للتشريع. إنه المضمون الحقيقي للإجماع، الأصل الثالث من أصول التشريع في الاسلام.
ما نريد إبرازه من خلال هذه الملاحظات السريعة هو أن الدور المحرك للحياة الثقافية في التاريخ العربي الاسلامي كان للسياسة. لقد قامت السياسة في الساحة الثقافية العربية بذات الدور الذي قام به العلم في الثقافة الأوروبية. إن الفصل بين الدولة والكنيسة في أوروبا قد جعل العلم يخاصم الكنيسة فأصبح بذلك طرفاً في الصراع. ولا نحتاج هنا إلى إبراز الأهمية التاريخية التي كانت للصراع بين العلم والكنيسة في تطور الفكر الأوروبي وتقدمه، فكل مَن له إلمام بتاريخ هذا الفكر يعرف أن الثورات الحاسمة داخله كانت ثورات علمية من كوبرنيك إلى جاليلو إلى نيوتن إلى نشتاين وماكس بلانك إلى (الفرق) العلمية المعاصرة. ولا نقصد هنا تطبيقات العلم من أجهزة وآلات وصناعات، بل نقصد أساساً آثاره العميقة بل تأثيره الحاسم على مستوى مراجعة المفاهيم وتجديد الرؤى، وبالتالي في إعادة بنية العقل وتنشيط فعالياته بصورة مستمرة. أما في الاسلام حيث لا كنيسة، فلم يكن العلم خصماً مباشراً، وبالتالي فلم يكن طرفاً في الصراع. إن الصراع كان يجري بين الاسلام/ الدولة والاسلام/ المعارضة، فكان صراعاً يكتسي صورة ممارسة السياسة في الدين والدين في السياسة. أما العلم، علم الخوارزمي والبيروني وابن الهيثم وابن النفيس وغيرهم فكان يقع خارج حلبة الصراع، ولذلك لم يكن له أي دور يذكر في المعارك الفكرية والايديولوجية وبالتالي فهو لم يساهم في تغذية العقل العربي ولا في تجديد قوالبه وفحص قبلياته، فبقي الزمان الثقافي العربي هو هو، بقي ممتداً على بساط واحد من نهاية عصر التدوين إلى بداية عصر ما بعد ابن خلدون إلى قيام النهضة العربية الحديثة... إلى أيامنا هذه.
من هنا أزمة الفكر العربي المعاصر، أزمة الإبداع فيه. إنها أزمة بنيوية: أزمة عقل قوامه مفاهيم ومقولات وآليات ذهنية تنتمي إلى ثلاث نظم معرفية متنافرة تكلست وجمدت فيها الحياة باكتساح الطريقة الصوفية ورؤاها السحرية الخرافية للساحة الاجتماعية الثقافية اكتساحاً شاملاً. وقبل ذلك وبعده، إنها أزمة ثقافة ارتبطت منذ بداية تشكلها بالسياسة، فكانت السياسة فيها، لا العلم، هي العنصر المحرك مما جعلها تخضع باستمرار لتقلبات السياسة وتتأثر بنجاحاتها وإخفاقها وتنحط بانحطاطها.


نجم الليل22 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس